ابنها رفع غطا حلة الفول وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم الـ 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر
بعده.
نادية ردت بهدوء فقمت تسرق أمك.
ماكنتش بسرقك! رفع راسه بسرعة. كنت بستلف.
الاستلاف بيكون بعِلم صاحب الفلوس.
سكت.
لأنها قالت الحقيقة العارية من أي تجميل.
شيرين لأول مرة شكلها اتوتر بجد. بصت لجوزها وقالت إنت قلتلي إن والدتك رافضة تاخد مساعدات عشان كرامتها!
طارق ما ردش.
فاكتشفت هي كمان إنها كانت عايشة وسط كدبة.
قعدت ببطء على طرف الكنبة، ووشها فقد لونه.
يعني المبالغ دي كلها ماكنتش تعرف عنها؟
هز راسه بالنفي.
الحاجة نادية بصتلهم هما الاتنين ثم راحت ناحية الحلة تاني.
فتحت الغطا. وقلبت الفول بالمعلقة.
وقالت من غير ما تبص لهم
تعرفوا إيه أصعب حاجة؟ مش الجوع ولا البرد ولا الوحدة.
البيت كله ساكت يسمعها.
أصعب حاجة لما الإنسان يفضل يبرر للي بيكسره عشان بيحبه.
دموع طارق نزلت بغزارة.
قام وقف قدامها فجأة أنا هصلّح كل حاجة. هبيع العربية هسد الديون وهعوّضك.
ضحكت بهدوء.
تعوضني عن إيه يا ابني؟ عن كل مرة كنت بكلمك فيها وأقولك الدنيا ساقعة فتقولي استحملي؟ ولا عن كل مرة كنت بعمل نفسي شبعت عشان الدوا يكفي آخر الشهر؟
الحفيد الكبير بدأ يعيط هو كمان. أما شيرين فكانت باصة لجوزها بصدمة واحتقار مخلوطين.
ثم طلعت الحاجة نادية أطباق قديمة من الدولاب.
حطت فول لكل واحد.
حتى شيرين.
الكل بص لها باستغراب.
فقالت كُلوا.
يا أمي طارق قالها بصوت مكسور.
ردت من غير ما تبصله
آخر مرة تاكلوا من خير الست اللي كنتوا فاكرينها عايشة ومش محتاجة حد قعدوا ياكلوا في صمت.
صوت الملاعق الخفيف، وصوت نفس الحاجّة نادية المتعب كانوا أوضح من أي كلام.
ياسين الصغير كان الوحيد اللي بيأكل فعلًا. أما الباقيين، فكان اللقمة بتوقف في زورهم.
شيرين بصّت للطبق قدامها. فول. رز أبيض. حتة جبنة ناشفة.
الأكلة اللي طول عمرها كانت تعتبرها أكل بسيط.
لكن لأول مرة حسّت إنها تقيلة.
تقيلة بالخجل.
رفعت عينيها ناحية نادية، ولاحظت تفاصيل عمرها ما ركزت فيها إيدين مشققة من الشغل. صوابع محروقة من الطبيخ. وشراب صوف قديم متخيط
ست ابنها كان بيركب عربية بملايين وهي مخيطة الشراب بإيدها.
شيرين حطت المعلقة ببطء.
طنط
نادية ردت بهدوء قولي يا بنتي.
الصوت الحنون ده كسرها أكتر من أي قسوة.
دموع شيرين نزلت فجأة.
أنا ماكنتش أعرف.
طارق رفع عينه بسرعة عليها. كأنه مستنيها تدافع عنه.
لكنها كملت أنا كنت فاكرة إن حضرتك رافضة مساعدتنا. هو كان بيقول إنك عنيدة وإنك بتزعقي لو حاولنا نبعت حاجة.
نادية ابتسمت بحزن.
أنا عمري ما طلبت غير كلمة حلوة.
طارق بدأ ينهار أكتر أنا غلطت والله العظيم غلطت.
الحاجّة نادية بصّت له طويل.
ثم قالت عارف إمتى حسّيت إني اتكسرت فعلًا؟
هز راسه بالنفي.
لما فرحت إنك جاي يوم العيد وقعدت أحسب هعملك إيه بالأكل القليل اللي عندي.
دموعه نزلت على الترابيزة.
وأنت داخل البيت كنت فاكر إن أمك عايشة أحسن منك.
الصمت بعدها كان موجع.
وفجأة نادية قامت ببطء، وسندت على الحيطة.
راحت ناحية الدولاب القديم، وطلعت كيس قماش صغير.
رجعت وحطّته قدام طارق.
إيه ده؟
افتح.
فتح الكيس واتصدم.
جواه رزم فلوس.
مش كتير. لكن مبلغ واضح إنه متجمع بوجع.
دي دي إيه؟
تحويشة عمري.
شيرين شهقت إنتِ مخبية فلوس؟!
نادية هزت راسها.
كنت بجمعهم عشان لو طارق احتاجني في يوم.
طارق انفجر عياط.
يا أمي كفاية
لكنها كملت كل معاشي وكل جنيه كنت بوفّره من أكلي.
وبعدين قالت الجملة اللي قطّعت قلبه
حتى وأنا فاكرة إنك سايبني كنت لسه بخاف عليك من الدنيا.
طارق وقع على ركبته قدامها.
مسك إيدها وباسها وهو بيبكي زي طفل سامحيني أرجوكي سامحيني.
الحاجّة نادية سحبت إيدها بهدوء لكن المرة دي ماكانش فيه غضب.
كان فيه حزن أعمق.
المسامحة سهلة يا ابني.
رفع عينه لها بأمل مكسور.
فقالت
بس الثقة دي لما بتتكسر بين الأم وابنها ما بترجعش كاملة أبدًا الكلمة دي سكتت البيت كله.
ما بترجعش كاملة أبدًا.
طارق فضل راكع مكانه، إيده لسه ممدودة في الهوا كأنه عايز يمسك حاجة خلاص ضاعت.
شيرين بصتله وبعدين بصت للحاجة نادية.
ولأول مرة صوتها يطلع من غير كبرياء
السؤال كان بسيط بس الإجابة كانت أصعب من أي حد متوقع.
نادية قعدت تاني على الكرسي، كأن طاقتها خلصت من الوقفة.
مفيش حل بيرجع اللي راح.
بصت لابنها مباشرة فيه بس حياة جديدة بتتبدأ لو قررتوا تبطلوا كدب.
طارق مسح دموعه بسرعة أنا هصلّح كل حاجة. هبدأ من الأول. هشتغل شغل إضافي وهسد كل جنيه.
هزّت راسها بهدوء مش الفلوس اللي محتاجة تتصلح الأول.
سكت.
وبعدين قالت إنت محتاج تتصلح.
الجملة دخلت فيه أعمق من أي اتهام.
ياسين الصغير كان لسه ماسك في رجل تيتا، وبص لها وقال تيتا إنتي هتيجي معانا؟
سؤال طفل بريء لكنّه فتح باب وجع جديد.
نادية بصّت له وابتسمت لأول مرة من قلبها لأ يا حبيبي.
شدّ إيديها بخوف ليه؟
قربت منه ومسحت دموعه عشان كل واحد لازم يعيش في بيته.
بصّ لأبوه طب بابا؟
طارق بلع ريقه.
ماكانش عنده إجابة جاهزة لأول مرة في حياته.
شيرين وقفت فجأة أنا محتاجة أتكلم معاك برة.
مسكته من إيده وسحبته ناحية البلكونة.
وقفوا هناك شوية.
صوت الشارع تحت كان عادي جدًا كأنه مفيش حاجة اتكسرت جوه الشقة.
شيرين قالت بصوت واطي إنت مخبي عني إيه تاني؟
طارق ما ردش.
إنت بتدمر حياتنا وإنت ساكت.
بص لها لأول مرة بنظرة مختلفة أنا كنت بحاول أحافظ عليها.
ضحكت بسخرية بكذبك على أمك؟
سكت.
وبعدين قال الحقيقة اللي عمره ما قالها أنا كنت خايف أخسرك.
شيرين اتجمدت.
تخسرني إزاي؟
لو عرفتِ إني واقع كنتي هتسيبيني.
قربت منه خطوة يعني عشان متسبكش خلتني أعيش في كدبة؟
الصمت كان ردّه.
جوا الشقة الحاجة نادية قامت بهدوء. لمّت الأطباق.
غسلت إيدها في الحوض.
وبصت للبيت
اللي عاشت فيه عمرها كله.
ثم قالت لنفسها بصوت شبه مسموع أنا ربيت ابن بس نسيت أربي حدود.
مسحت إيديها في المريلة.
وأخدت القرار.
فتحت شنطة صغيرة عندها.
وحطّت فيها ورقها المهم.
وبدون ما تبص وراها لبست طرحتها.
وخرجت من باب الشقة.
الباب اتقفل وراها بهدوء.
ومن غير ما حد يحس
المعادلة كلها بدأت تتغير الباب اتقفل.
بس الصوت اللي عمله كان أهدى من إنه
جوا الشقة، طارق لف فجأة وهو خارج من البلكونة ماما راحت فين؟
لكن مفيش رد.
شيرين دخلت وراه بسرعة يعني إيه راحت؟
فتحوا باب الشقة تاني
السلم كان فاضي.
بس ريحة الفول لسه في الهوا.
في الشارع تحت
الحاجة نادية كانت ماشية ببطء، ماسكة الشنطة الصغيرة بإيدها، وكأن كل خطوة بتشيل سنين من على ضهرها.
مشيت من غير ما تبص وراها.
لأول مرة مافيش حد مستنيها.
وفي نفس الوقت مافيش حد بيكسرها.
جوا الشقة، طارق بدأ ينهار بشكل مختلف.
مش عياط بس ده ذعر.
هي راحت فين؟!
بدأ يفتح الدولاب، الشنط، حتى المطبخ كأنه بيدوّر على إجابة مش على إنسان.
شيرين كانت واقفة مكانها، ملامحها اتغيرت تمامًا إحنا عملنا إيه؟
الجملة دي وقفت كل حاجة.
طارق وقف فجأة.
وبص لها لأول مرة من غير أي أقنعة إحنا دمرناها.
بعد ساعة
وصلته رسالة.
من رقمها.
أنا كويسة.
بس الجملة كانت أقصر من إنها تطمّنه.
فتح الرسالة التانية.
أنا هعيش لوحدي الفترة الجاية. ماحدش فيكم يكلمني غير لما يبقى عنده حاجة حقيقية يقولها.
قفل الموبايل بإيده.
كأنه مش قادر يتحمل أكتر.
مرّ أسبوع.
نادية سكنت في أوضة صغيرة فوق سطح بيت قديم عند ست كانت تعرفها من زمان.
الأوضة بسيطة جدًا سرير حديد. وبوتاجاز صغير. وشباك بيشوف السما بس.
بس لأول مرة كانت بتنام من غير ما تفكر مين محتاجها ومين بينساها.
في نفس الوقت
طارق بدأ يدوّر عليها.
مرة يروح عند قرايب. مرة يسأل جيران. مرة يقف قدام البيت القديم بالساعات.
لكن مفيش أثر.
شيرين طلبت منه سيبها شوية يمكن محتاجة تبعد.
لكن هو ماكانش بيسيب.
لأنه لأول مرة فهم حاجة إنه مش بس خسر فلوس.
هو خسر المكان الوحيد اللي كان بيحس فيه إنه طفل حتى وهو كبير.
وفي ليلة هادية
نادية كانت قاعدة على السطح.
بصت للسما.
ومسكت موبايلها.
واتصلت.
مش بطارق.
بشيرين.
شيرين ردت بسرعة طنط؟!
صوتها كان مخنوق من البكاء.
نادية قالت بهدوء أنا مش زعلانة منك.
سكتت شيرين.
نادية كملت أنا زعلانة بس إنكم افتكرتوا إن
دموع شيرين نزلت.
إحنا آسفين
نادية ردت الأسف مش كلام.
وبعدين سكتت ثانيتين
وقالت الجملة الأخيرة اللي غيرت كل حاجة
الأسف الحقيقي إنكم تتغيروا حتى لو أنا ما رجعتش تاني.