ابنها رفع غطا حلة الفول وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم الـ 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر

لمحة نيوز

ابنها رفع غطا حلة الفول وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم ال 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر؟ في اللحظة دي، فيه حاجة جوا الحاجة نادية اتهدت تماماً. لأنها في الثانية دي، استوعبت إن الفقر اللي كانت عايشة فيه السنة اللي فاتت كان غدر. والغدر ده كان واقف قدامها في المطبخ، على بعد خطوتين من البوتاجاز.
كان صبّاحية يوم العيد في حارة من حواري طنطا، والبرد كان بيدخل من شقوق الشباك الخشب كأن البيت مبني من الذكريات مش من الطوب. الحاجة نادية كانت صاحية من قبل الفجر كالعادة، ركبها تعباها من الروماتيزم، وبالها مشغول بحاجة واحدة بس ابنها طارق جاي يزورها.
كنست السلم.. نفضت التراب من الأركان.. مسحت مفرش الطبلية البلاستيك اللي مرسوم عليه ورد ودبل لونه من كتر الغسيل. نورت اللمبة السهاري الصغيرة اللي بقالها سنين عندها، مش فرحة بالعيد، بس عِند في الحزن. مكنش فيه لا ديك رومي.. ولا لحمة.. ولا حتى كحك وبسكويت طازه من الفرن. الحاجة الوحيدة اللي قدرت تحطها على النار هي شوية الفول اللي الجمعية الشرعية إدتهملها ليلة العيد، مع كيس رز صغير، وحتة جبنة، وباكو بسكويت شاي شالته للتحلية. الفول كان بيغلي ببطء، مالي المطبخ بريحة الرضا اللي تشبّعك وفي نفس الوقت

تكسر قلبك.
نادية لبست عبايتها الكحلي، العباية اللي شكلها لسه مستور لو محدش دقق في الأطراف الدايبة. سرحت شعرها بمية، عدلت صورة جوزها الله يرحمه على الحيطة، وحطت جنبه أحدث صورة لابنها وعيلته. طارق، بابتسامة خفيفة، ولابس بدلة غالية وساعة بتلمع. شيرين، مراته، رفيعة ومرسومة، بملامح تخليكي تحسي إنها قرفانة حتى وهي بتتصور. والحفيدين، لبسهم شيك لدرجة إنهم باينين كأنهم طالعين من إعلان تليفزيون.
عايشين في الشيخ زايد، في فيلا من اللي شبابيكها إزاز واصل للأرض، وأرضياتها مفيش فيها ذرة تراب، وسفرتها تشيل 12 فرد. في حين إن نادية قضت آخر 9 شهور وهي بتحشر قماش قديم في حلق الشباك عشان البرد مايقسمش ضهرها وهي نايمة. مكانتش بتشتكي. أو على الأقل، ده اللي كانت بتقوله لنفسها. كانت بتقول إن الضنا ليه حياته.. والأحفاد بيكبروا.. والمدن الكبيرة بتسرق الوقت. والأم اللي عندها أصل مابتشحتش الحنية ولا تطلب المساعدة كأنها حالة إنسانية. كررت الكلام ده لنفسها لدرجة إنها صدقته.
الأسبوع اللي فات، طارق كلمها زي عادتهبسرعة وهو مستعجل. قال لها إن عندهم عزومة عمل مهمة ليلة العيد وميقدرش يتأخر. بس وعدها إنه هيجيلها بدري يوم العيد الصبح.. هيقضي اليوم معاها. نادية مسكت في الوعد ده كأنها
ماسكة في طرف توب بينقذها من الغرق. مسكت فيه عشان ماتفكرش إنها أكلت فتة فول لوحدها ليلة العيد والبيوت التانية كانت مليانة ضحك وعزومات. العربية السوداء الفخمة وقفت قدام البيت الساعة 11 الصبح. ضخمة.. بتلمع.. شكلها غريب جداً في الحارة اللي الستات فيها لسه بيكنسوا قدام بيوتهم بمقشة جريد.
نادية جريت على الباب وهي لسه لابسة المريلة. أول ما شافت طارق نازلطويل، شيك، ريحة برفانه سبقت خطواتهقلب الأم عمل اللي دايما بيعمله، مهما كان مهجور.. اتفتح على الآخر. يا أمي! نادى عليها . الحضن ده كان هيخليها تعيط. وراه، العيال جريوا عليها ، وطلعت شيرين في الآخر، لابسة نظارة شمس رغم إن الجو غيم، وجزمة مفيش عليها عفرة تراب، وشنطة إيد تمنها ممكن يشتري عفش بيت نادية كله. إزيك يا طنط، شيرين قالتها بابتسامة صفراء، ومالت براسها كأنها بتبوس الهوا بعيد عن وش نادية.
دخلوا البيت. ومع دخولهم، دخل الكسوف. البيت كان تلاجة. الدهان مقشر. الكنبة مكسورة من جنب. والبيت كله كان باين عليه الفقر. العيال قعدوا يتفرجوا باستغراب، وشيرين كانت بتبص للأوضة بنظرات فحصمش بتشوف، دي كانت بتقيّم. نادية خدتهم للمطبخ. المطبخ أدفا، كدبت عليهم. طارق قعد على الكرسي الخشب اللي والده كان بيقعد يقشر عليه برتقال
زمان. شيرين ملقلعتش البالطو بتاعها حتى. فضلت واقفة بتبص في موبايلها، وصوابعها مليانة خواتم. نادية عرضت عليهم قهوة بصوت فجأة بقى واطي وضعيف في بيتها. صبي لي يا أمي، طارق قالها. الريحة حلوة أوي.. عاملة لنا إيه؟
كانت لسه هترد. بس هو قام وراح للبوتاجاز. رفع غطاء الحلة وبص للي جواها. في الأول ابتسم، كأنه لقى حاجة مكنش متوقعها. بعدين الابتسامة اتغيرت. بقت مرتبكة.. مشدودة.. وبعدين قال الجملة اللي شقلبت حياة أمه. فول؟ سأل باستنكار. بعدين لف وبص لها. يا أمي.. في البرد اللي في بيتك ده، إنتي بجد قادرة تعيشي بال 100 ألف جنيه اللي شيرين بتبعتهم لك كل شهر؟ ده المفروض يعيشوكي ملكة، يغطوا أكلك، ودفاية، وحبذا لو جبتي واحدة تساعدك في البيت كمان!
نادية حست بوش في ودنها غطى على صوت غليان الفول. عينيها غيمت. المعلقة الخشب وقعت من إيدها على التربيزة بصوت قوي. طارق كان لسه باصص لها، مش فاهم إنه لسه كاشف حاجة بشعة. شيرين رفعت عينيها ببطء من الموبايل. ملامحها اتغيرت حاجة بسيطة.. بس كانت كفاية. كفاية عشان نادية تفهم. فلوس إيه يا ابني؟ نادية سألت، والكلمة طلعت بالعافية...
لايك وكومنت ليصلك باقي القصه المشوقةفلوس إيه يا ابني؟
الصمت اللي نزل بعد السؤال كان أتقل من البرد اللي
 

تم نسخ الرابط