ابنها رفع غطا حلة الفول وسأل أمه ببساطة إنتي لسه عايشة كدة رغم الـ 100 ألف جنيه اللي شيرين مراتي بتبعتهم لك كل شهر
مالي البيت.
طارق رمش بسرعة وبص على شيرين. شيرين عدلت وقفتها، وابتسمت الابتسامة الباردة دي تاني.
أصل أنا كنت ببعت لحضرتك مع طارق مبلغ شهري بسيط يساعدك.
نادية بصتلها. ثم بصت لابنها.
بقالك قد إيه؟
طارق بلع ريقه. حوالي سنة.
سنة.
سنة كاملة وهي بتطفّي النور بدري عشان فاتورة الكهربا. سنة وهي بتخبّي علبة الدوا عشان تكفي آخر الشهر. سنة وهي بتبيع من دهبها حتة حتة وتقوله أنا بخير يا حبيبي، ما تشيلش همي.
وشيرين كانت فاكرة إنها بتساعد.
لكن الحقيقة؟ إن الفلوس ماوصلتش أصلًا.
نادية قعدت على الكرسي كأن رجليها خانتها.
كنت بتقولّي إيه لما أكلمك وأقولك البرد تاعبني؟
طارق بدأ يتوتر. يا أمي اسمعيني بس
كنت بتقولّي استحملي شوية عشان عندك التزامات ومدارس العيال.
صوته طلع واطي أنا كنت ناوي أصلّح كل حاجة
بفلوسي؟
الحفيد الصغير كان واقف يبص بينهم بخوف. أما شيرين، فبدأ الضيق يبان على وشها.
بصراحة يا طنط، إحنا مش جايين نعمل دراما. أكيد فيه سوء تفاهم.
نادية رفعت عينيها عليها ببطء.
يعني أنا اللي كنت بسرق نفسي؟
شيرين اتضايقت من النبرة. لا طبعًا، بس يمكن طارق كان بيستخدم جزء من الفلوس في مصاريف
جزء؟!
طارق صرخ فجأة خلاص بقى!
البيت كله سكت.
أول مرة يعلّي صوته بالشكل ده قدام أمه.
مسح وشه بعصبية وقال أيوه أخدت الفلوس! عندي قروض! عندي أقساط! عندي حياة
نادية بصتله بذهول كأنها بتشوفه لأول مرة.
وحياتي أنا؟
ما كنتيش محتاجة المبلغ كله!
الجملة خرجت بسرعة لكن أول ما خرجت، حتى هو عرف إنه انتهى.
الحاجة نادية قامت ببطء. ركبها كانت بتترعش.
قربت من صورة أبوه المعلقة على الحيطة. عدلتها بإيد مرتعشة.
ثم قالت من غير ما تبصلهم
أبوك مات وهو بيقولي خلي بالك من أمك دي شالتنا كلنا.
لفت تبص لطارق.
واضح إني ربيت راجل يعرف ياخد بس ما اتعلمش يِرد.
طارق قرب منها يا أمي والله كنت هرجعهم.
ضحكت. ضحكة مكسورة طلعت وسط دموعها.
وترجعلي إيه يا ضنايا؟ الفلوس؟ ولا السنة اللي كنت بنام فيها جعانة وأنا فاكرة إن ابني مش قادر يساعدني؟
الحفيد الصغير شد هدوم أبوه بخوف بابا تيتا بتعيط ليه؟
طارق ماعرفش يرد.
لكن الحاجة نادية ردت بدلًا عنه.
بصوت هادي أوجع من الصريخ
عشان فيه ناس يا حبيبي الفقر ما بيكسرهاش.
اللي بيكسرها بجد لما تكتشف إن الأمانة اللي ربتها بإيديها طلعت هي اللي سرقتها الحفيد الصغير حضن رجل تيتا بخوف.
أما طارق فكان واقف في نص المطبخ كأنه رجع طفل صغير اتقفش وهو بيكدب.
شيرين أول واحدة استعادت برودها.
حطت الموبايل في شنطتها وقالت بحدة بصراحة كفاية مبالغة. طارق غلط، تمام. لكن إحنا مش حرامية.
نادية بصتلها نظرة طويلة.
إنتِ بقالك سنة فاكرة إني عايشة مرتاحة.
لأن جوزي كان بيقولي كده!
وما
شيرين فتحت بقها وقفلتُه تاني.
لأن لأول مرة، ماكانش عندها رد.
طارق قرب من أمه بسرعة خلاص يا أمي، هحولك كل حاجة حالًا. والله هرجّع كل جنيه.
لكن نادية هزت راسها.
الموضوع خلص.
الكلمة خوّفته.
يعني إيه خلص؟
دخلت أوضتها ببطء.
والكل ساكت.
صوت الدولاب القديم وهو بيتفتح كان أعلى من أي كلام.
رجعت بعد دقيقة وفي إيدها علبة صفيح صغيرة.
علبة بسكوت قديمة كانت مخبية فيها ورقها المهم.
حطتها قدام طارق.
فتحها بإيد مرتعشة.
واتصدم.
جواها إيصالات بيع دهب. روشتات علاج متأجل. إنذارات كهربا. وورقة صغيرة مكتوب فيها بخط أمّه
آخر 200 جنيه للطوارئ.
وشه وقع.
نادية قالت بهدوء دي كانت حياتي وأنا فاكرة إن ابني معذور.
الحفيد الكبير بدأ يفهم إن فيه حاجة كبيرة بتحصل. بص لأبوه وقال ببراءة
بابا إنت كنت بتاخد فلوس تيتا؟
شيرين بسرعة مالكش دعوة بالكلام ده.
لكن السؤال كان خلاص اتقال.
وطارق ماعرفش يبص في عين ابنه.
وفجأة، الحاجة نادية مشت ناحية البوتاجاز. وطفت نار الفول.
ثم قالت الجملة اللي خلت البيت كله يتجمد
أنا مش زعلانة إنك سرقتني يا طارق
رفع عينه لها ببطء.
أنا زعلانة إنك كنت قادر تاكل مع عيالك وتنام دافي وأمك بتستخبى تحت بطانيتين وماتقولش عشان ما تحملكش هم.
دموعه نزلت أخيرًا.
قرب
لكنها سحبت إيدها بهدوء.
أهدى من الغضب. وأقسى منه.
لما أبوك مات، اشتغلت في البيوت عشان أعلّمك. عمري ما حسّيت نفسي فقيرة.
بصت حواليها للحيطة المتشققة والسقف القديم.
الفقر الحقيقي دخل البيت يوم ما ابني بقى يشوف أمه عبء.
الصمت كان خانق.
حتى شيرين بدأت ملامحها تتكسر.
وبعدين الحاجة نادية عملت حاجة ماحدش توقعها.
فتحت باب الشقة.
وقالت بهدوء موجع
العيد خلص يا ولاد اتفضلوا روحوا بيتكم طارق ما اتحركش.
كان واقف يبص لأمه كأن الباب المفتوح ده أكبر عقاب أخده في حياته.
أما الحفيد الصغير، فجرى وهو بيعيط أنا مش عايز أمشي
الحاجة نادية نزلت بصعوبة على ركبتيها، رغم الوجع اللي باين على وشها، ومسحت على شعره بحنان.
تعالى يا حبيبي.
الولد بص لها ببراءة هو بابا زعلك أوي كده؟
قبل ما حد يرد، طارق غمّض عينيه كأنه اتضرب.
لكن نادية ابتسمت للطفل ابتسامة صغيرة متعبة وقالت بابا بيغلط زي كل الناس بس بعض الغلطات بتوجع القلب.
شيرين قربت بسرعة يلا يا ياسين.
لكن الولد تشبث في تيتا أكتر.
أنا عايز آكل الفول.
الجملة البسيطة دي كسرت حاجة جوه نادية.
لأن الفول اللي كانت محرجة منه من شوية بقى الحاجة الوحيدة الصادقة في البيت كله.
بصت لطارق.
لقته منهار فعلًا لأول مرة. مش غضبان. مش بيدافع عن نفسه.
مكسور.
قعد على الكرسي الخشب وحط وشه
أنا تعبت يا أمي
قالها بصوت مخنوق.
الدنيا جريتني والقروض كبرت وكل شهر كنت أقول هعوّضك الشهر اللي