زوجة اختفت من مخزن البيت… وما سمعه حيدر داخل الممر القديم دمّر حياته بالكامل.
عدت إلى المخزن والتقطته بيدي المرتجفتين.
وعلى الجهة الخلفية، بالحبر الأزرق، كانت سارة قد كتبت
السامرائي. سبعة أسابيع. أتمنى ألا يكبر وهو يتعلم طاعة دموع أم حيدر.
اختفى نفسي.
حاولت أمي أن تنتزعه مني.
هذا فخ.
أبعدتها.
لا تلمسيه.
نظرت إليّ أمي وكأنني بصقت في وجهها.
هكذا تحكي معي؟
قلت بصوت صغير لكنه واضح
نعم.
لفّ أبي البطانيةحول سارة أكثر وساعدني على حملها.
قال
لازم نأخذها للمستشفى.
قالت أمي فورًا
لا. أولًا سنتحدث كعائلة.
نظرت إليها.
ولأول مرة رأيت كل شيء بوضوح.
الشوربة
ووقعت ورقة أتعهد فيها ألا أقترب منها دون موافقتها.
أمي اتصلت يوميًا.
لم أرد.
ثم بدأت ترسل تسجيلات صوتية.
في البداية كانت تبكي.
ثم تشتم.
ثم تتوسل.
في إحدى الرسائل قالت
أنا صنعت منك رجلًا.
حذفت الرسالة فورًا.
وفكرت
لا أنتِ صنعتِ مني شخصًا مطيعًا.
بدأت ألتقي بأبي أيام الجمعة.
لم تكن العلاقة سهلة.
لم تكن هناك أحضان مفاجئة أو لحظات تعويض سينمائية.
كان بيننا عمر كامل ضائع.
لكنه بدأ يخبرني بأشياء صغيرة.
أنني وأنا طفل كنت أنام ويدي مقبوضة.
وأنني كنت أعض الملاعق الخشبية.
وأن البطانية المطرزة باسمي طلبها من سوق قديم قبل ولادتي بشهرين.
وفي يوم سألته
لماذا لا تكرهني؟
فكر قليلًا ثم قال
لأن كرهك كان سيكمل شغل أمك.
ولم أعرف ماذا أقول بعدها.
سارة انتقلت للعيش عند خالتها في المنصور.
ولعدة أشهر لم يصلني منهاإلا رسائل قصيرة
الطفل بخير.
عندي موعد الخميس.
لا تأتِ.
وكنت أطيع.
ولأول مرة في حياتي، لم أشعر أن طاعة امرأة تنتقص مني.
شعرت أنها تعيد لي إنسانيتي.
عندما دخلت شهرها الخامس، سمحت لي أن أرافقها
يبقى هنا ليس كرمز للزواج. بل كدليل أنني خرجت.
نظرت إليها.
وقلت
شكرًا لأنك نجوتِ مني.
أخذت نفسًا عميقًا.
أنا لم أنجُ من أجلك يا حيدر.
هززت رأسي.
أعرف.
ثم نظرت إلى ليان.
ثم إليّ.
وقالت
لكنك تتعلم ألا تصبح مثلها.
لم يكن غفرانًا كاملًا.
ولم تكن نهاية سعيدة تمحو الأذى .
كان شيئًا أصعب.
فرصة يراقبها الماضي كله.
خرجنا من البيت.
وأغلق أبي الباب خلفنا دون أن يقفله بالمفتاح.
في الخارج كانت رائحة المطر والخبز الحار تملأ الشارع.
وبغداد ما تزال كما هي.
أصوات سيارات.
باعة.
حياة تتحرك.
لكنني لأول مرة لم أعد أسمع صوت أمي داخل رأسي يخبرني ماذا يجب أن أصدق.
كانت سارة تمشي نحو السيارة وهي تحمل ليان.
وأنا أحمل حقيبة الطفلة فقط.
لا أكثر.
ولا أقل.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا أخيرًا
في تلك الليلة لم أفقد زوجتي داخل غرفة مغلقة.
بل رأيتها تخرج منها.
الشخص الذي كان محبوسًا طوال عمره كنت أنا.