أيُّ سورةٍ تبدأ بالتسبيح وتنتهي بالحمد
أيُّ سورةٍ تبدأ بالتسبيح وتنتهي بالحمد؟
من الأسئلة القرآنية الجميلة التي تتكرر بين محبي كتاب الله تعالى: ما هي السورة التي تبدأ بالتسبيح وتنتهي بالحمد؟ وقد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يقودنا إلى التأمل في عظمة القرآن الكريم، ودقة ألفاظه، وروعة افتتاح السور وخواتيمها.
والإجابة المشهورة لهذا السؤال هي سورة الحشر، حيث افتتحها الله تعالى بقوله:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[الحشر: 1]
ثم ختم السورة بذكر أسماء الله وصفاته، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[القصص: 70]
لكن هنا ينبغي التنبيه إلى أمر مهم: صياغة السؤال "تبدأ بالتسبيح وتنتهي بالحمد" قد تُستخدم في الألغاز الدينية بصورة غير دقيقة؛ لأن هناك أكثر من سورة افتتحت بالتسبيح، كما أن سورًا أخرى ورد فيها الحمد في خواتيمها أو آياتها الأخيرة. ولذلك من الأفضل عند نشر مثل هذه الأسئلة أن تكون الصياغة دقيقة حتى لا تختلط السور على القارئ.
ما السور التي بدأت بالتسبيح؟
ورد التسبيح في افتتاح عدد من سور القرآن الكريم، ومن أشهرها سورة الإسراء، التي بدأت بقوله تعالى:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾
وكذلك افتتحت سورة الحديد بقوله سبحانه:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
وافتتحت سورة الحشر بالآية نفسها تقريبًا:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
كما تبدأ سورة الصف بقوله تعالى:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
وتبدأ سورة الجمعة بقوله سبحانه:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾
وتبدأ سورة التغابن كذلك بقوله تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وهذه السور تسمى عند أهل العلم المسبحات؛ لاشتراكها في افتتاحها بالتسبيح أو ذكر التسبيح.
ما معنى التسبيح؟
التسبيح هو تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب، وإثبات كماله وجلاله وعظمته.
فعندما يقول المسلم: "سبحان الله" فهو يعلن أن الله تعالى منزَّه عن كل ما لا يليق بجلاله، وأنه كامل في ذاته وصفاته وأفعاله.
والتسبيح في القرآن لا يقتصر على الإنسان، بل يخبرنا الله عز وجل أن السماوات والأرض وجميع المخلوقات تسبح بحمده، فقال سبحانه:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
[الإسراء: 44]
وهذه الآية تفتح أمام الإنسان بابًا عظيمًا للتأمل؛ فكل ما حوله من مخلوقات قائم بأمر الله، ويشهد بعظمته، وإن كان الإنسان لا يدرك كيفية تسبيحها.
وما معنى الحمد؟
أما الحمد فهو الثناء على الله تعالى مع محبته وتعظيمه، فهو سبحانه المستحق للحمد في كل الأحوال.
وقد افتتح الله تعالى أعظم سور القرآن، سورة الفاتحة، بالحمد، فقال:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
وهذه الجملة العظيمة تحمل معنى واسعًا؛ فكل النعم التي يعيشها الإنسان من الله، وكل خير يصل إليه فهو بفضل الله ورحمته.
والحمد لا يكون فقط عندما يحصل الإنسان على ما يحب، بل المسلم يحمد الله في السراء والضراء، لأنه يعلم أن الله سبحانه حكيم في قضائه، رحيم بعباده.
العلاقة بين التسبيح والحمد
من أجمل المعاني التي يمكن أن يتأملها المسلم أن التسبيح والحمد كثيرًا ما يجتمعان في القرآن والسنة.
فالتسبيح يتضمن تنزيه الله عن النقص، والحمد يتضمن إثبات صفات الكمال له سبحانه.
ولهذا يقول المسلم في أذكاره:
"سبحان الله وبحمده"
وهو ذكر عظيم جمع بين تنزيه الله والثناء عليه.
قال النبي ﷺ:
«من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطَّت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» متفق عليه.
وهذا يدل على فضل هذا الذكر العظيم، وعلى مكانة التسبيح والحمد في عبادة المسلم.
لماذا تبدأ بعض السور بالتسبيح؟
افتتاح السورة بالتسبيح يلفت انتباه القارئ إلى عظمة الله سبحانه وتعالى، ويهيئ قلبه لتدبر الآيات التي ستأتي بعدها.
فعندما يقرأ المسلم:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
يتذكر أن الله هو الخالق والمالك والمدبر، وأن جميع الموجودات خاضعة لأمره.
ثم تأتي آيات السورة لتتناول موضوعات مختلفة، لكنها في النهاية مرتبطة بالإيمان بالله وتعظيمه وطاعته.
ومن هنا تظهر عظمة ترتيب القرآن الكريم، فليس اختيار الكلمات في بدايات السور ونهاياتها أمرًا عشوائيًا، وإنما كل كلمة في كتاب الله جاءت بحكمة بالغة.
هل سورة الحشر هي الوحيدة التي تبدأ بالتسبيح؟
لا، وهذه نقطة مهمة جدًا عند الإجابة عن السؤال.
فكما ذكرنا، هناك عدة سور تبدأ بالتسبيح، منها: الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، إضافة إلى سورة الإسراء التي بدأت بلفظ ﴿سُبْحَانَ﴾.
ولذلك فإن السؤال إذا قيل بصورة مطلقة: "ما السورة التي تبدأ بالتسبيح؟" فلا تكون الإجابة سورة واحدة فقط.
أما إذا كان المقصود لغزًا معينًا بصياغة محددة، فينبغي التأكد من نص السؤال كاملًا؛ لأن كلمة واحدة قد تغير الإجابة.
سورة التغابن ومثال واضح على اجتماع التسبيح والحمد
ومن اللافت أن سورة التغابن بدأت بقوله تعالى:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
ففي هذه الآية اجتمع التسبيح والحمد والملك والقدرة، وهي معانٍ عظيمة تعرف المسلم بربه سبحانه وتعالى.
فهو سبحانه المالك لكل شيء، والمستحق لكل حمد، والقادر على كل شيء، والمنزه عن كل نقص.
كيف نستفيد من هذا السؤال؟
هذه الأسئلة القرآنية القصيرة يمكن أن تكون وسيلة جميلة لتشجيع الناس على قراءة القرآن وتدبره، ولكن الأهم ألا يتحول الأمر إلى مجرد مسابقات وحفظ للمعلومات دون فهم.
فعندما نعرف أن هناك سورًا تسمى بالمسبحات، يمكننا أن نعود إلى القرآن ونقرأ هذه السور ونتدبر موضوعاتها.
وعندما نقرأ عن التسبيح، نسأل أنفسنا: هل لساني عامر بذكر الله؟ وهل قلبي يعظم الله حق التعظيم؟
وعندما نقرأ عن الحمد، نتذكر نعم الله علينا، ونشكره عليها بدلًا من الانشغال الدائم بما ينقصنا.
خاتمة
القرآن الكريم كتاب هداية وتدبر، وكلما اقترب الإنسان منه اكتشف عظمة جديدة في ألفاظه ومعانيه وترتيب آياته وسوره.
أما سؤال: "أي سورة تبدأ بالتسبيح وتنتهي بالحمد؟" فيحتاج إلى شيء من الدقة؛ لأن سورًا متعددة افتتحت بالتسبيح، كما أن الحمد ورد في خواتيم وآيات عدد من السور. ومن أشهر السور التي تبدأ بالتسبيح: الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، إضافة إلى سورة الإسراء التي بدأت بلفظ ﴿سُبْحَانَ﴾.
والرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها ليست مجرد معرفة اسم سورة، وإنما أن نجعل التسبيح والحمد جزءًا من حياتنا اليومية، فنقول: سبحان الله، والحمد لله، ونستشعر عظمة الخالق في كل لحظة.
قال الله تعالى:
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
فسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، والحمد لله رب العالمين.