السـكوت اللـي هـد البيـت كـاملة بقلـم منـي السـيد
المحتويات
المشكلة في عدد الأطباق.. كأن المشكلة في كراسي زيادة أو شوية رز زيادة، مش مشكلة إنك بتكرر عادتك في إنك تقرر بالنيابة عني في تفاصيل حياتي.
قفلت باب الثلاجة براحة.. مش برزع، ولا بغل متوفرة على روايات و اقتباسات
قفلتها بالهدوء الغريب اللي بييجي لما الجسم بيبطل يجادل في حقيقة العقل خلاص قبلها.
لفيت له، ولأول مرة من وقت طويل، شوفت حاجة ما كنتش عاوزه أشوفها بوضوح باسم ما كانش تايه، ولا محبوس بين نارين، ولا مظلوم.
باسم كان مستريح.. مستريح وهو سايبني أمتص الصدمات بداله.
مستريح وهو سايبني أشيل الشيلة التقيلة، عشان هو يفضل محتفظ بصورة الابن البار، والزوج الطيب، والراجل العاقل.
عارف إيه أوحش حاجة؟ سألته، وصوتي طلع غريب عليا، واطي وحاد، كأن مفيش فيه طاقة لإقناع حد بحاجة خلاص.
هو عقد حواجبه وما ردش.. عمره ما بيرد لما بيحس إن الكلام هيجبره يختار اختيار حقيقي مش مجرد تمثيلية.
الأوحش إنك حتى ما سألتنيش ده هيتعمل إزاي. أنت افترضت لوحدك إني هتصرف، زي كل مرة.. إني هتعب، وبعدين هتعود، وهطلع الليلة شكلها حلو في الآخر.
باسم حط كبايته على الرخامة
ما كنتش عاوز خناق.
وفجأة فهمت قد إيه الإنسان ممكن يؤذي اللي معاه لما يحول السلام والهدوء لنوع من أنواع التخلي.
ما كانش عاوز خناق.. ما كانش عاوز يزعل أمه.. ما كانش عاوز يطلع الوحش.. وفي المقابل، قدمتني أنا كقربان لكل قرار غيري بياخده.
ما زعقتش.. وده أكتر حاجة رعبته.
باسم كان دايماً بيراهن إن عصبيتي هتبقى هيصة فيقدر يتهمني إني ببالغ.
بدل الهيصة، رحت للدولاب، طلعت تلات كراتين كبار وحطيتهم على الجزيرة اللي في نص المطبخ، واحدة جنب التانية.
بص لي بعدم فهم بتعملي إيه؟
فتحت أول كرتونة وبدأت
بفضي الثلاجة، قلت له.
شايف يا شيري.. وبعدين؟
لا يا باسم.. أنا بفضيها بجد.. عشان مامتك بكره تيجي تملاها زي ما هي عاوزة وبالطريقة اللي تريحها.
هنا صوته بقى أسرع
ما تبقيش درامية بزيادة يا شيري.
جملة صغيرة، رخيصة، بتتقال أتوماتيك.. بس كانت كفاية إنها تحول حزني لصفاء بارد زي التلج.
درامية.. إن واحدة تجهز عزايم ل 23 فرد لوحدها ومن غير دعم ده عادي.. لكن إنها ترفض تكمل السخرة دي لوحدها تبقى درامية. دي المعادلة اللي هو عايش بيها متوفرة على روايات و اقتباسات
رفعت الديك الرومي المتتبل بإيدي الاتنين وحطيته في الكرتونة بحذر، كأني بشيل أدلة من مسرح جريمة أنا لسه فاهماها دلوقتي حالا.
بكره هتكلم مامتك، قلت له بجمود وهتقول لها إن العزومة مش هتحصل هنا، إلا لو هي اللي دفعت، وهي اللي طبخت، وهي اللي نظمت كل حاجة.
باسم فتح بقه.. وقفله.. ورجع فتحه بنفس التعبير بتاع كل مرة، كأن العالم ظلمه لما طلب منه حاجة أصعب من إنه يفضل واقف مكانه.
ما ينفعش تحطيني في موقف اختيار كدة، قالها أخيراً.
ابتسمت غصب عني.. ابتسامة وجع من دقة الجملة دي.
لأن ده بالظبط اللي هو كان بيهرب منه سنين الاختيار.
بين راحته وكرامتي.. بين إنه يبقى ابن وإنه يبقى زوج.. بين الانتظار وبين المسؤولية.
أنا مش بجبرك تختار دلوقتي، رديت عليه أنا بقالي سنين مستنية إنك تختار لوحدك.
البيت كان هادي لدرجة إني كنت سامعة صوت
تكات ساعة الفرن.. 1112.. 1113..
كل حاجة كانت لسه شغالة.. المطبخ زي ما هو بيلمع.. الإضاءة دافئة على الرخام الجرانيت.. ومع ذلك، كنت حاسة إني شايفة حقيقة جوازي لأول مرة عريانة قدامي متوفرة على
باسم مسح وشه بإيده
ماما ما كانش قصدها حاجة وحشة.
هي دي المشكلة، قلت له إنك فاكر إن النية السيئة هي بس اللي بتوجع.. أحياناً الناس مش بتبقى قاصدة تأذي، هي بس بتبقى متعودة إن فيه حد تاني دايماً بيدفع تمن رغباتهم.. وأنت بقالك كتير قوي بتساعدها على ده.
بصيت له في عينه.. كان فيه سكوت طويل.. مش سكوت سينمائي، سكوت بيوت.. السكوت اللي بيغير حياة من غير ما يكسر كباية واحدة.
طيب، عاوزاني أعمل إيه؟ سأل بتعب، كأني بديله مهمة رخمة مش بشاور له على شرخ في أساس حياتنا.
والسؤال ده فضاني تماماً.
لأن السؤال ما كانش أنتي محتاجة إيه؟ ولا أنا غلطت في إيه؟ ولا حتى نصلح ده إزاي؟
كان سؤال موظف بيخلص ورقة إدارية.
سندت على الرخامة وأخدت نفس عميق.. لثانية فكرت أقوله يعمل إيه بالظبط، زي كل مرة كلمها.. اعتذر.. حط حدود.. اطبخ.. نضف.. دافع عني.
كنت شاطرة قوي في شرح الواضحات.. وفي توجيه الناس عشان يبانوا مسؤولين وهم في الحقيقة بينفذوا أوامر بس.
وفهمت إني لو هضطر أزرع له عمود فقري دلوقتي، يبقى خلاص الوقت فات.
أنا مش هعلمك إزاي تقف في ضهري وتكون صفي، قلت بالراحة يا تفهمها لوحدك من غير ما أترجمها لك، يا إما مش هتفهمها أبداً.
وش باسم اتغير.. مش ندم، لأ.. كان زعل، قمص، كرامة الراجل اللي اكتشف إن الشخص اللي كان بيصالحه دايماً مابقاش عنده طاقة يطبطب.
قعد على كرسي المطبخ العالي وهو باصص للكراتين كأني هديت
الديكور اللي هو عايش فيه وما سألش نفسه أبداً مين اللي بناه؟
الموضوع كبر منك قوي يا شيري، تمتم وهو باصص في الأرض.
ورجعنا تاني للعبة القديمة تحويل حدودي لمشكلة، وتحويل تعبي لتجاوز، وتحويل وضوحي لجنون.
هزيت راسي ببطء فعلاً.. الموضوع
ما اتكلمناش تاني ليلتها.
خلصت لّم كل اللي طبخته وشريته في كراتين وشنط حرارية.. وطلعت أوضة الضيوف ببطانية وشاحن الموبايل وفرشة سناني.. ومعايا سلام غريب كان بيخوف من هدوءه.
نمت أحسن من ليالي كتير كنت ببلع فيها صمتي عشان الدنيا تمشي.
الساعة 710 الصبح، سمعت صوت كريمان في المطبخ.
جت من غير ميعاد طبعاً، بالمفتاح اللي باسم ادهولها عشان لو عوزنا حاجة.
سمعت صوت الأدراج بتتفتح وتتقفل.. صوت حد بيتحرك ب سلطة مستلفة في بيت مش بيته.
لما نزلت، كانت واقفة عند الرخامة بعباية شيك جداً وتعبير وش كله غضب وهي بتبص للثلاجة الفاضية.
شيري، قالت بحدة فين الأكل؟
باسم كان واقف عند الحوض، ماسك كباية قهوة كأنه بيستخبى وراها.
بصيت لكريمان.. وبعدين لباسم.
وفهمت إن اللحظة الفاصلة مش في لم الأكل ولا في خناقة العزومة.
اللحظة هي إني أرفض أحمي باسم من نتيجة سلبيته.
أنا دايماً كنت باخد الخناقة الصعبة في السر عشان هو ما يبانش وحش قدام حد.. بس خلاص.
الأكل مش موجود، رديت لأني مش هطبخ ل 23 بني آدم وأنا لسه عارفة قبلها بيوم وأدفع كله من جيبي.
كريمان ضحكت ضحكة قصيرة مش مصدقة بقلم مني السيد
شيري حبيبتي، بلاش شغل النكد ده دلوقتي.. دي عزومة عيلة.
لأ، قلت لها ده شغل.. وده فلوس.. وده وقت.. ده استباحة لبيتي ومجهودي
من غير ما حد يسألني. ده مش مجرد عزومة.
حطت شنطتها على الرخامة بخبطة
أنا شايفة إنك بقيتي أنانية قوي.
أنانية.. الكلمة طلعت مترتبة وجاهزة، كأنها متمرنة عليها.. الكلمة اللي بيسموا بيها أي حد بيبطل يقول حاضر على حسابه.
زمان الكلمة دي كانت بتخليني أدافع عن نفسي، وأبرر،
النهاردة.. لأ. بقلم مني السيد
بصيت
متابعة القراءة