السـكوت اللـي هـد البيـت كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

حماتي عزمت عشرين واحد من قرايبها، فقمت أنا مفضية الثلاجة تماماً وقلت لها بكرة تشوفي!.
كانت الساعة حداشر بالليل بالتمام، وأنا واقفة حافية في مطبخي، والعرق نازل على ضهري، وببص بذهول للثلاجة اللي لسه ماليها من ست ساعات بس بطلبات وتجهيزات كلفتني أكتر من 15 ألف جنيه.
كان باقي يومين على عزومة الموسم.
وحماتي كريمان، وده اسمها الحقيقي لسه مبلّغاني دلوقتي، وبكل برود، إنها عزمت عشرين فرد من العيلة على العشا.
عشرين! بقلم مني السيد 
لا اتنين، ولا خمسة.. عشرين بني آدم، المفروض يتغدوا، ويتحط لهم واجب، ويلاقوا مكان يقعدوا فيه، وأنا اللي أخدم وأنضف وراهم.. وكل ده في بيتي، ومن غير ما تنطق بكلمة واحدة قبلها.
الثلاجة كان ليها صوت زنين هادي، كأنها بتشمت فيا. بقلم مني السيد 
وراي، كان باسم واقف عند الباب.
كانت عليه نفس النظرة تاني.. التعبير المستفز اللي حفظته بقه مفتوح نص فتحة، وعينيه تايهة، زي راجل محبوس بين عاصفتين، ومستني لو فضل ثابت مكانه كفاية، العاصفتين هيعدوا من فوقه بسلام.
ما نطقش.. عمره ما نطق في الأوقات اللي محتاجة راجل بجد.
يا شيري، كريمان قالتها من الناحية التانية من المطبخ، وهي سانده بتبختر على رخامة مطبخي كأنها هي اللي دافعة تمنها، وبتهز كباية العصير في إيدها مش فاهمة إنتي مكبرة الموضوع ليه؟ دول أهلك.. وده طبع الأعياد واللمة.
بصيت لها.. وبعدين بصيت للثلاجة.
وفي اللحظة دي، حاجة جوايا.. اتغيرت.
مش بصوت عالي، ولا بدراما.. مجرد تكة خفيفة سكتت جوا قلبي، زي قفل أخيراً مفتاحه لفّ.
فتحت الثلاجة.. وبدأت أطلّع كل اللي فيها متوفرة على روايات و اقتباسات
قبل ما كل حاجة تنهار
الموضوع ما كانش كدة من الأول.
من أربع سنين، أكبر مشكلة عندي كانت إني أختار لون دهان الشقة.
كده عرفت باسم تحت إضاءة
المول القوية، وهو ماسك خمستاشر

درجة من درجات الرمادي وكأنه بيحاول يحل لغز الوجود.
وقف جنبي وبكل ثقة شاور وقال
هو ده.. رمادي مريح للأعصاب.. صدقيني، أنا مهندس ديكور وفاهم بقول إيه.
ابتسم وقتها وكأنه عارف إنه صح.. وللأسف، كان فعلاً صح.
الحيطة دي لسه شكلها مثالي بعد سنتين.
وكل حاجة تانية وقتها كانت مثالية برضه.
كان عندي 28 سنة، طالعة من علاقة استنزفتني عاطفياً ومادياً.. وبنيت نفسي حتة حتة شغل مستقر، مرتب محترم، شقة تمليك تعبت في أقساطها، وسمعة في شغلي بفتخر بيها.
ما كنتش محتاجة حد ينقذني.
بس باسم كان بيديني إحساس تاني.. إحساس الاستقرار.
الأمان.. زي مبنى خرساني مش هيقع مهما الريح خبطت فيه.
بدأنا نخرج، واتعودنا على بعض بسرعة.. وفي يوم تلات عادي جداً، وإحنا بنفطر، قال لي
أنا عاوز أصحى على الوش ده كل يوم.. تتجوزيني؟
من غير شبكة في وقتها، ولا حركات سينما.
مجرد يقين.. وقلت أيوة قبل ما يخلص جملته.
بنينا حياتنا زي ما بيعمل الناس العاقلين في هدوء، وبترتيب.
اشترينا بيت في التجمع.. تلات أوض، منطقة هادية، ومصاريف صيانة كنت بكرها بس مستحملاها.
بس المطبخ؟
المطبخ كان حكايتي كلها.. رخام جرانيت، فرن بلتإن، وجزيرة في النص كنت بفرش عليها الدقيق كأنه تلج وأخبز بالساعات.
المطبخ ده كان ملكي.. يمكن مش قانوناً، بس عاطفياً كان هو مكاني اللي بحس فيه إني أنا.
ولمدة سنتين، الدنيا مشيت.. بنقسم الفواتير، بنشارك المسؤولية، وعملنا روتين يخلينا أسعد زوجين.. ما كناش مثاليين، بس كنا متزنين.
لحد ما ظهرت كريمان.
كريمان
في البداية، كانت مجرد موجودة.
لطيفة بزيادة، بتبتسم في الوقت الصح، وبتقول الكلام المناسب.. تقريباً.
بس دايما كان فيه نبرة سخرية مستخبية.. دايما فيه توتر بيحسسك إنك تحت الميكروسكوب.
بتراقب.. بتقيم.. وبتطلّع
العيوب.
يا شيري، هو الجلاش ده جاهز؟
الأكل ده طعمه حلو.. قرب
يوصل لحلاوة أكلي.
يا باسم، أنت مش بتاكل كويس ليه؟ شكلك خاسس.
حاجات صغيرة.. تافهة لوحدها، بس بتهد الحيل لما تتجمع.
قلت لنفسي عادي.. هي ست وحيدة، وجوزها الله يرحمه ساب فراغ، وبتحاول تتأقلم.
ممكن أصبر.. ممكن أتفهم.. ممكن أعدي.
باسم كان بيلاحظ.. أحياناً.
كان يضغط على إيدي من تحت التربيزة، أو يغير الموضوع.
بس عمره ما واجهها.
عمره ما وقفها عند حدها وقال يا ماما، كدة غلط.
فضل محايد.. دايماً محايد.
وقلت لنفسي إن ده كفاية.. بس الحقيقة إنه ما كانش كفاية أبداً.
المكالمة اللي قلبت الترابيزة
الموضوع بدأ في أكتوبر.. يوم أربع بالليل.
كنت بقطع بصل وبحاول ما أعيطش، لما موبايلي رن.
كريمان.
أهلاً يا شيري! عندي ليكي خبر يجنن.
النبرة دي.. نبرة القرار اللي مافيهوش رجوع.
كنت بكلم أختي ماجدة فاكرة ماجدة اللي في طنطا؟ واكتشفنا إن العيلة كلها مجمعناش يوم في موسم من سنين.
كنت عارفة هي رايحة فين بالكلام.
وقلت لنفسي.. مفيش أجمل من إننا نتجمع كلنا عندك في البيت؟
عندك في البيت.. مش عندنا.
ومش إيه رأيك؟.. هي قررت وخلاص.
إحنا بنتكلم في كام فرد؟ سألتها وأنا بحاول أهدي نفسي.
سكتت لحظة..
حوالي عشرين.. يزيدوا حاجة بسيطة.
عشرين!
في بيتي.. في مطبخي.. بجهدي.. ومن جيبي!
لازم أتكلم مع باسم الأول، قلت لها.
يا حبيبتي أنا قولت لباسم خلاص، وهو طاير من الفرحة بالفكرة.
طبعاً.. أو الأسوأ من كدة، إنه ما فكرش أصلاً.
أول شرخ
ليلتها، باسم كان في المطبخ بيشرب حاجة كأننا في يوم عادي جداً.
يا شيري كبري دماغك، دول أهلي.. اللمة حلوة.
أهلي.. نفس الجملة.. نفس السيناريو.
وفي اللحظة دي، حاجة جوايا اتشرخت.. شرخ صغير، بس حقيقي.
حاولت أحل الموضوع كواحدة ناضجة.. حاولت بجد.
طلبت نشارك في
المصاريف.. طلبت مساعدة.. طلبت إن كل واحد يشيل شيلة.
كريمان ضحكت
خليكي بسيطة يا بنتي.
بسيطة؟

لعشرين بني آدم؟ بميزانيتي أنا؟ وفي مطبخي أنا؟
باسم وعدني إنه هيكلمها.. وما حصلش.
لا اليوم ده.. ولا اللي بعده.. ولا اللي بعده.
كل ما أسأله يقولي بكرة هحلها.
والبكرة ده ما جاش أبداً.
كلمتها أنا بنفسي.. حطيت حدود.. طلبت مساعدة مادية حتى..
هربت من الكلام.. صغرت الموضوع.. وحسستني بالذنب.
حتى إنها دخلت سيرة حمايا الله يرحمه
المرحوم كان هيفرح قوي باللمة دي.
الكلمة دي كانت هتكسرني.. بس ما كسرتنيش.
التخطيط
عملت اللي بعمله دايماً.. خططت.
جداول.. قوايم.. حسابات بالمليم.
ظبطت الوصفات.. عملت حساب اللي عنده سكر واللي عنده حساسية.
حولت الفوضى لنظام.
لأني لو ما عملتش كدة.. مفيش حد هيعمل.
يوم الثلاثاء اللي قبل العزومة، أخدت أجازة من الشغل.
صرفت 15 ألف جنيه في السوبر ماركت..
وقفت 11 ساعة متواصلة بجهز.
تتبيل البط.. خبز المعجنات.. تسوية الخضار..
كل ركن في الثلاجة كان شاهد على تعبي.. صبري.. وسيطرتي.
الساعة 11 بالليل، أخيراً خلصت.
جسمي كله بيوجعني.. بس كنت فخورة.
لحظة واحدة حسيت فيها إني مسيطرة على كل حاجة.. وإني انتصرت.
وفجأة دخل باسم..
ماما بتقول إن العدد زاد.. بقوا 23 فرد.
وهنا.. فيه حاجة جوايا.. اتقطعت.
بقلم مني السيد 
فضل باسم باصص لي وكأنه مستني إني أرفع عيني، أتنهد تنهيدة طويييلة، وأقول نكتة بايخة من بتاعة كل مرة عشان ألطف الجو وأعدي الموقف.. زي ما كنت بعمل دايماً مع أمه.
بس المرة دي، ما رفعتش عيني.
ولا قلت نكتة.
فضلت إيدي ساندة على باب الثلاجة المفتوح، حاسة بالهواء الساقع بيخبط في وشي، وقصاده نار هادية بتغلي في صدري متوفرة على روايات و اقتباسات
تلاتة وعشرين، كررت الرقم تاني بصوت مسموع، لأن أحياناً
لما بنقول الرقم بصوت عالي بيبقى حقيقي، ملموس، صعب يتزوق بكلام ناعم أو ابتسامة هبلة.
باسم هز كتافه ببرود
يا ستي تلاتة زيادة
مش
هيغيروا الدنيا يعني.
والجملة دي بالذات، أكتر من الرقم نفسه، هي اللي نزلت على قلبي زي الحجر.. مش هيغيروا الدنيا.
كأن
تم نسخ الرابط