توفي ابنها في عمر ست سنوات ١

لمحة نيوز

ماما.. كان فيه ست بتديني أكل وحش وبتقفل عليا. بابا كان بييجي ساعات، مكنش بيكلمني، كان بيقف يبص عليا من بعيد ويمشي.. كان بيقول لي إنك نسيتيني، وإنك مش عايزاني.
الغل ملى قلبي. كريم مش بس خفاه، ده كان بيعذبه نفسياً ويقنعه إني بعته.
وفجأة.. الموبايل رن.
كان كريم.
رديت بصوت ميت، وبدون مقدمات لقيته بيقول بنبرة غريبة
روحت فين يا حبيبتي؟ رجعت البيت ملقتكيش.. والناس في المقابر قالوا إنهم شافوا واحدة شبهك ومعاها عيل صغير مهلهل.. بلاش جنان يا سمر.. ارجعي البيت بدل ما التصرف يبقى بشكل تاني.
قفلت السكة وأنا جسمي كله بيترعش. هو عارف.. هو مراقبني.. والموضوع أكبر بكتير من مجرد أب قاسي.
بصيت ليوسف اللي نام أخيراً، وبصيت لأختي وقلت لها بجمود لازم نعرف مين اللي مدفون في القبر ده يا هبة.. كريم دافن سر كبير تحت الرخام اللي كنت بمسحه كل يوم.
وفي نص الليل، واحنا قاعدين، سمعنا صوت خبط رزين على الباب.. خبطة أنا عارفاها كويس. خبطة كريم.

الخبطات على الباب كانت هادية.. هادية بزيادة، وده اللي رعبني. كريم لما بيكون هادي بيبقى في قمة خطورته. هبة أختي كانت واقفة ورا
الباب ميتة من الخوف، ويوسف صحي مفزوع، جريت عليه وكتمت بوقه بإيدي وأنا بهمس في ودنه اششش.. ولا
نفس يا يوسف، ماما معاك.
سمر.. افتحي الباب. أنا عارف إنك جوه، وعارف إنك مخدتش علاجك النهاردة وبدأتِ تتخيلي حاجات مش موجودة.
صوته كان ناعم، لدرجة إني للحظة شكيت في عقلي. هل أنا فعلاً بتخيل؟ هل الطفل اللي نايم في حضني ده طيف؟ بس ملمس شعره الناشف تحت إيدي وضربات قلبه السريعة كانوا الحقيقة الوحيدة في حياتي.
هبة بصتلي وسألتني بعينيها أعمل إيه؟، شاورتلها تفتح. لازم أواجهه، الهروب مش هيحل حاجة، وكريم مش هيمشي إلا لما ياخد اللي هو عايزه.
دخل كريم الصالة، لابس قميصه الأسود المكوي بعناية، ملامحه كانت خالية من أي تعبير. بص لهبة ببرود وقال معلش يا هبة، تعبناكي.. سمر حالتها ساءت بعد السنوية بتاعة يوسف، وبقت بتشوف أطفال في الشارع وتفتكرهم ابنها.
قمت وقفت قدامه، ويوسف مستخبي ورا ظهري ماسك في جلابيتي بكل قوته.
الحالة ساءت يا كريم؟ طب والشبه؟ طب ونبض قلبه؟ طب والست اللي كنت حابسه عندها؟
كريم بص ليوسف نظرة سريعة، مفيش فيها أي مشاعر أبوة، وكأنه بيبص لغلطة كان لازم
يصلحها. ضحك ضحكة قصيرة مرعبة وقال إنتي فاكرة إن فيه حد هيصدقك؟ الورق رسمي، شهادة الوفاة رسمية، الدفن تم قدام عين الكل.. والطفل ده؟ ده واحد من أطفال الشوارع اللي ماليين الدنيا، إنتي بس اللي عقلك صورلك إنه يوسف عشان تملي الفراغ اللي جواكي.
في اللحظة دي، يوسف طلع راسه من ورا ضهري وقال بصوت مرعش لا يا بابا.. أنا مش من الشارع.. أنا يوسف اللي كنت بتضربني لما بقول عايز ماما.
وش كريم اتغير.. العروق بدأت تظهر في جبهته، وقرب مني خطوة وهو بيهمس بصوت زي فحيح الأفعى لو الورق ده اتفتح، الكل هيتحبس يا سمر.. أنا مش هسمح ليكي
ولا للولد ده إنكم تهدوا كل اللي بنيته.
بنيت إيه؟ صرخت فيه، أنت بعت ابنك عشان إيه؟ عشان الفلوس؟ عشان تأمين؟ ولا عشان تخلص من حتة منك بتفكرك بضعفك؟
كريم مسك دراعي بحدة هتيجي معايا دلوقتي بالذوق، والولد ده هيرجع المكان اللي جه منه.. وإلا هبلغ إنك خطفتي عيل من الشارع وبتدعي إنه ابنك الميت، وساعتها مش هتشوفي النور تاني.
هبة كانت ماسكة التليفون وبتحاول تطلب البوليس، بس كريم لمحها وحدف فازة الورد كسرها جنبها فصرخت ووقعت التليفون.
محدش هيخرج
من هنا! زعق كريم وهو بيقفل ترباس الباب الرئيسي.
أنا مكنتش خايفة على نفسي، أنا كنت ببص ليوسف اللي كان بيبص لباباه برعب. وفجأة، افتكرت حاجة.. يوسف عنده وحمة صغيرة جداً في فروة راسه، مكنش حد يعرفها غيري أنا وكريم والدكتور اللي ولده.
بصيت لكريم وقلت له بتحدي لو الولد ده مش يوسف، يبقى ملوش الوحمة اللي في راسه يا كريم.. والتحليل ال DNA هينهي كل حاجة.
كريم ملامحه اتهزت لأول مرة، وبدأ ينهج.. عرف إن اللعبة بدأت تبوظ. طلع مفتاح من جيبه وقال بغل التحليل ده بياخد وقت.. وأنا معنديش وقت.
طلع
مطواة صغيرة من جيبه وقرب مننا.. يوسف صرخ، وأنا زقيت هبة ويوسف ناحية المطبخ وحبستهم جوه، ووقفت أنا قدام كريم.
عشان تلمس شعرة منه، لازم تقتلني بجد المرة دي يا كريم.. مش تقتلني بالوهم.
كريم رفع إيده، وفجأة.. خبط عنيف جداً على الباب، وصوت سرينة إسعاف وبوليس بره البيت.
كريم اتجمد مكانه، وأنا بصيت له بانتصار أنا مكلمتش البوليس يا كريم.. أنا كلمت المحامي بتاعك اللي كنت شاكك إنه بيساعدك، وبعتله صورة يوسف أول ما وصلت هنا.. والظاهر إن ضميره صحي.
وش كريم
بقى أبيض زي الورقة،
وبص للباب وهو بيسمعهم بيكسروه..

تم نسخ الرابط