راعي في الأربعين لم يقترب من امرأة في حياته… حتى طرقت غريبة بابه أثناء عاصفة مدمّرة!
— لكنه ليس رجلًا صالحًا — تابعت بصوتٍ منخفض — لديه نفوذ… وأصدقاء خطرون… وعندما يغضب…
لم تكمل الجملة.
لم يكن هناك حاجة لذلك.
فقد فهم دييغو.
لقد رأى رجالًا كهؤلاء من قبل.
رجالًا يخلطون بين القوة والحق.
— هل يعلم أنك هنا؟ — سأل دييغو.
هزت إيزابيلا رأسها بسرعة.
— لا… أظن ذلك.
لم تطمئن تلك الكلمة أحدًا.
نظر دييغو إلى ظلام الصحراء الذي كان يتسلل عبر شقوق الإسطبل.
كانت العاصفة تخفي كل شيء.
لكنها قد تجلب المشكلات أيضًا.
— يمكنك البقاء هنا الليلة — قال أخيرًا — وعندما تنتهي العاصفة سنرى ما يمكن فعله.
نظرت إليه إيزابيلا بشيء يشبه الارتياح.
— شكرًا لك.
عاد الصمت.
لكن كان هناك الآن شيء آخر.
حضور.
إدراك كلٍّ منهما للآخر.
اقتربت إيزابيلا من أحد الخيول ببطء، وكأنها لا تريد أن تزعجه أو تفاجئه. مدت يدها بحذر وربتت على عنقه بلطف، فاستجاب الحصان بصوتٍ خافت وكأنه يرحب بها في هذا المكان الغريب عنها.
قالت وهي تنظر إليه بإعجاب صادق:
— إنه جميل.
ابتسم دييغو ابتسامة خفيفة لم تظهر كثيرًا على وجهه في حياته.
— اسمه ريلامباغو.
رفع الحصان رأسه قليلًا وأطلق زفرة دافئة في الهواء البارد، وكأنه يفهم أن الحديث يدور عنه.
أشار دييغو بيده نحو الحصان الآخر في الزاوية القريبة من باب الإسطبل.
— وذلك هناك اسمه تورمينتا.
نظرت إيزابيلا إليه ثم التفتت
— اسم مناسب لهذا اليوم.
ضحك دييغو ضحكة قصيرة، لكنها بدت صادقة وعفوية.
كانت ضحكة نادرة منه.
لاحظت إيزابيلا ذلك فورًا.
نظرت إليه قليلًا، وكأنها تحاول أن تقرأ شيئًا في ملامحه.
— هل تعيش دائمًا وحدك هنا؟
أجاب بهدوء:
— نعم.
سادت لحظة صمت قصيرة قبل أن تسأل من جديد:
— ألم تتزوج قط؟
هز دييغو كتفيه ببساطة.
— لا.
نظرت إليه بفضول واضح.
— ألم تجد المرأة المناسبة أبدًا؟
فكر دييغو لحظة، وكأن السؤال لم يُطرح عليه من قبل بهذه الصراحة.
ثم قال بصدق:
— في الحقيقة… لم أبحث عنها أبدًا.
مالت إيزابيلا رأسها قليلًا، وقد بدا في عينيها شيء من الدهشة.
— هذا يبدو حزينًا.
تردد دييغو لحظة، ثم قال بهدوء:
— لم يكن كذلك… حتى اليوم.
خرجت الكلمات منه دون تفكير، وكأنه لم يقصد أن يقولها بصوتٍ مسموع.
شعر بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهه.
أما إيزابيلا فقد صمتت للحظة، لكنها لم تبدُ منزعجة أو محرجة.
كانت عيناها الكهرمانيتان تلمعان تحت ضوء المصباح الزيتي.
قالت بصوتٍ هادئ:
— اليوم؟
تنفس دييغو بعمق، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره.
— لأن الصمت اليوم… يبدو مختلفًا.
في تلك اللحظة دوى الرعد قريبًا جدًا حتى اهتز الإسطبل كله.
ارتجفت إيزابيلا دون قصد.
وغريزيًا خطت خطوة نحو دييغو.
أصبحت قريبة جدًا منه.
قريبة أكثر مما ينبغي.
بدأ
كان يستطيع أن يشم رائحة المطر في شعرها.
وكان يشعر بحرارة جسدها رغم برودة الهواء حولهما.
شيء ما بداخله… شيء ظل نائمًا طوال أربعين عامًا… استيقظ فجأة.
وكان واضحًا أن إيزابيلا تشعر بذلك أيضًا.
كان ذلك ظاهرًا في أنفاسها المتقطعة قليلًا، وفي الطريقة التي كانت تمسك بها البطانية حول كتفيها.
قالت بصوت يكاد يكون همسًا:
— دييغو…
رفع رأسه ببطء.
— نعم؟
نظرت إليه مباشرة.
لم يكن في نظرتها خوف.
ولا خجل.
بل كان فيها صدق عميق، ذلك الصدق الذي يبدو وكأن الصحراء نفسها تفرضه على من يعيش فيها طويلًا.
قالت بهدوء:
— إذا وجدني زوجي… سيأخذني من هنا ويعيدني معه.
شد دييغو فكه بقوة.
لم تعجبه الفكرة أبدًا.
قال بثبات مفاجئ حتى لنفسه:
— لن أسمح بذلك.
خرجت الكلمات منه بحزم واضح.
حتى هو نفسه شعر بالدهشة من قوة صوته.
خطت إيزابيلا خطوة أخرى نحوه.
الآن لم يعد هناك إلا مسافة صغيرة جدًا بينهما.
قالت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
— لماذا تساعد امرأة غريبة؟
ظل دييغو صامتًا لحظة، ثم رفع نظره إليها.
بدت عيناه الخضراوان أكثر عمقًا تحت ضوء المصباح المتمايل.
قال بهدوء:
— لأنني لا أعتقد أنك غريبة.
عاد الصمت يملأ المكان.
صمت عميق.
لم يكن هناك صوت سوى هدير العاصفة في الخارج.
ورائحة الخشب الرطب.
وصوت المطر على السقف المعدني.
رفعت
مدت أصابعها نحو صدر دييغو.
ولمست قميصه برفق.
كان اللمس خفيفًا جدًا.
لكن بالنسبة إلى دييغو كان كأنه صاعقة كهربائية.
لم يشعر بشيء كهذا في حياته.
أبدًا.
لاحظت إيزابيلا ذلك فورًا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— إنها المرة الأولى… أليس كذلك؟
لم يحاول دييغو أن يتظاهر بشيء.
قال ببساطة:
— نعم.
ابتسمت مرة أخرى.
لكن ابتسامتها لم تكن ساخرة.
كانت دافئة.
متفهمة.
قالت بنبرة هادئة:
— إذن جاءت هذه العاصفة في الوقت المناسب.
في الخارج كانت الرياح تهز أبواب الإسطبل بعنف.
لكن في الداخل… بدا العالم وكأنه توقف.
رفع دييغو يده ببطء، وكأنه غير متأكد مما ينبغي أن يفعله.
تردد لحظة.
ثم لمس بلطف وجه إيزابيلا.
كانت بشرتها دافئة.
ناعمة.
وحقيقية.
أغمضت إيزابيلا عينيها للحظة قصيرة.
وكأنها تستمتع بتلك اللحظة الصغيرة من الأمان.
همست باسمه:
— دييغو…
خرج الاسم من شفتيها كأنه نفس دافئ في ليلة باردة.
اقترب دييغو قليلًا.
ببطء شديد.
دون عجلة.
وكأنه يخشى أن يكسر شيئًا هشًا بينهما.
وكانت تحمل شيئًا لم يتوقع أي منهما أن يجده وسط عاصفة.
الأمل.
في الخارج كانت الصحراء تعوي مع الرياح والرعد.
لكن داخل الإسطبل…
كان هناك شيء آخر يولد في تلك اللحظة.
شيء يشبه بداية قصة جديدة.
للمرة الأولى منذ أربعين عامًا…
لم يعد دييغو ميندوزا يشعر
كان هناك الآن صوت آخر.
صوت أنفاس امرأة تقف قريبة منه.
وصوت قلبه الذي لم يعد يعرف كيف يبقى هادئًا.
وصوت أملٍ صغير بدأ يكبر في صدره ببطء.
خارج الإسطبل كانت العاصفة لا تزال تضرب الصحراء بعنف.
لكن داخل ذلك المكان البسيط…
بدأت حياة دييغو تتغير.