جارتي

لمحة نيوز

جارتي قررت إن جنينة بيتي هي "صفيحة الزبالة" الخاصة بتاعتها لشهور. النهاردة، رجعت لها كل اللي "ضاع" منها.. بس مع مفاجأة مخصوص عمرها ما هتنساها.

أنا عندي 73 سنة، معاش، وبتحرك على كرسي متحرك. الجنينة اللي قدام بيتي في المعادي هي مملكتي وونيسي بقالي سنين. حتى في عز البرد، بتلاقيني صاحي مع الفجر، بنضف الزرع وبسقي الشتلات الصغيرة. لحد ما سكنت بنت شابة في البيت اللي جنبي "إيجار"، وبدأت "الهدايا" بتاعتها تهاجر لعندي.

الموضوع بدأ صغير.. كانز مشروب طاقة هنا، كيس أكل سريع هناك، وعقاب سجاير مرمية في طريقي. كنت بضغط على سناني، وأوطي بالراحة وألم القرف ده. بس في يوم الصبح، بعد ليلة مطر غسلت الشجر، خرجت بالقهوة بتاعتي واتصدمت.

تحت شجرتين "مانجو" لسه صغيرين، لقيت محتويات كيس زبالة كاملة! مفرودة على النجيل.. بقايا قهوة، وفضلات أكل معفنة، وأكياس ملزقة بوظت شكل الزرع. وآثار الرجلين كانت واضحة زي الشمس.. خط مستقيم من باب بيتها لحد جنينتي.

رحت خبطت على بابها وأنا كلي غضب مكتوم. فتحت وهي بتبص لي بزهق: "أيوة؟ فيه حاجة؟"

قلت لها بصوت

بحاول أخليه هادي: "هو حضرتك اللي رميتي الزبالة دي في جنينتي؟"
هزت كتافها ببرود: "أيوة.. وإيه يعني؟"

رديت: "دي ملكية خاصة يا بنتي.. والزرع ده روحي، إنتي كده بتخنقيه."

لوت بوزها وقالت بسخرية: "يا راجل كبر مخك، دي حتة جنينة.. ابقى نضفها وإنت قاعد بتتسلى. وبالمناسبة، ابقى خد صناديق الزبالة بتاعتي حطها على الرصيف للموزعين بالمرة.. مبروك يا جدو، لقتلك شغلانة جديدة تسليك."

فضلت باصص لها بذهول.. وبعدين رسمت ابتسامة خفيفة وقلت: "فهمت.. طبعاً، من عيني."

رجعت بيتي، وأول ما خطيت العتبة، الخطة بدأت تترسم في دماغي بدقة. بعد كام ساعة، رحت خبطت على بابها ومعايا علبة شيك جداً، ملفوفة بورق هدايا وعلية شريطة بتلمع.

وقلت لها بمنتهى الذوق المصطنع: "أنا جيت أعتذر لك.. اعتبري دي هدية صلح عشان نصفي النفوس."

بصت للعلبة بقرَف وقالت: "هي دي بس؟ دي صغيرة أوي."

ابتسمت بوقار: "أنا بذلت فيها مجهود كبير.. وأعتقد إن اللي جواها.. حاجة مش هتنسيها أبداً."

رجعت قعدت ورا شباك الصالة، فتحت إزاتوز ساقعة كنت شايلها للمناسبات السعيدة،

واستنيت. دقايق، وباب بيتها اتفتح بضربة لدرجة إنه خبط في الحيطة، وصوت صويتها جاب آخر الشارع:
"يخرب بيتك! إيه اللي أنت عملته ده؟!"

البنت كانت واقفة على السلم بتترعش، والعلبة الشيك مرمية على الأرض، ومحتوياتها متبعترة في كل حتة. الجيران بدأوا يفتحوا الشبابيك على صوت صويتها اللي مكنش بيقطع.

أنا فتحت الشباك بتاعي بالراحة، وطلعت راسي وأنا ماسك كوباية الشاي وبمنتهى البرود قلت لها: "خير يا بنتي؟ الهدية ما عجبتكيش؟ ده أنا منقيها حتة حتة من قلب جنينتي!"

البنت بصت لي بغل وهي بتشاور على الأرض: "إنت حاطط لي في العلبة قشر بيض معفن، وفضلات سمك، وعقب سجاير.. وفوقيهم "برص" ميت؟! إنت مجنون؟"

ضحكت ضحكة هادية وقوية:

"يا بنتي مش إنتي اللي قلتي لي الصبح إنها (مجرد زبالة)؟ أنا بس عملت لها (إعادة تدوير) وقدمتها لك في صورة شيك تليق بمقامك. مش إنتي اللي رميتي القرف ده تحت شجر المانجو بتاعي؟ أنا بس رجعت الأمانة لأصحابها.. ومعاهم (البرص) ده زيادة كـ (تحلية)، أصل الزبالة بتاعتك جابت لي حشرات، فقلت أبعت لك العينة عشان تتأكدي بنفسك.

"
البنت وشها بقى ألوان، وصوتها بدأ يروح من كتر الفضيحة قدام الجيران اللي بقوا يضحكوا عليها: "أنا هبلغ عنك البوليس! دي إهانة!"

رديت عليها بنبرة خلتها تسكت خالص:

"بلغي يا حبيبتي.. بس قبل ما تبلغي، بصي فوقك كده.. شايفة الكاميرا الصغيرة اللي في ركن السور؟ دي مصوراكي وإنتي بتحدفي كيس الزبالة الصبح، ومصوراكي وإنتي بترميه المرة اللي قبلها. لو البوليس جه، الفيديو ده هينزل على جروب المنطقة، وهبعت نسخة منه لصاحب البيت اللي إنتي مأجرة منه.. وتفتكري هيحب يعرف إن المستأجرة بتاعته بتحول بيته لمقلب زبالة؟"

البنت جمدت مكانها، وفهمت إن "الجدو" اللي كانت بتستهزئ بيه، طلع "ثعلب" وعارف بياخد حقه إزاي.

بصيت لها بحدة أخيرة وقلت:

"الزبالة اللي في الأرض دي، تتلم دلوقتي فرفاتة فرفاتة.. ولو شفت ورقة مناديل واحدة طايرة ناحية جنينتي بعد كده، المرة الجاية الهدية مش هتبقى في علبة.. هتبقى على سقف عربيتك وإنتي رايحة شغلك الصبح. مفهوم؟"

نزلت البنت وهي بتبرطم، وبدأت تلم القرف اللي كان في العلبة وهي قرفانة من ريحته، وأنا قفلت الشباك وشغلت

الراديو على إذاعة "أم كلثوم".. وحسيت إن شجر المانجو بتاعي النهاردة بيضحك لي.
تمت.

تم نسخ الرابط