أطلقوا 3 كلاب روت وايلر لتعقّب فتاة… رجعت بعد 8 ساعات بشيء صادم!
سقطت منها، لكنها لم تتبعها.
كانت الفتحة ضيّقة.
كانت أميليا في قبو.
كان الظلام حالكًا.
لم تكن ترى شيئًا.
تحسّست بيديها.
الجدران من تراب.
الأرض من تراب.
كانت الرائحة عفنًا وتعفّنًا.
لكن العمق كان كبيرًا، نحو عشرة أقدام.
لم تستطع الكلاب الوصول إليها.
جلست هناك، ترتجف، وتستمع إلى الكلاب وهي تثور فوقها.
مرّت ساعات.
لم تغادر الكلاب.
بقين عند حافة الفتحة، تنبح وتزمجر.
كان جسد أميليا يؤلمها.
قدماها تؤلمانها بشدة، وملامح التعب كانت واضحة عليها.
فستانها ما زال مبلّلًا وباردًا.
لفّت ذراعيها حول نفسها وانتظرت.
لم تكن تعرف ماذا تفعل غير ذلك.
ثم تغيّر النباح.
أصبح أخفت، متردّدًا.
كانت الكلاب تشمّ شيئًا آخر.
سمعت تحرّكها بعيدًا عن الفتحة.
سمعت مخالبها على أرضية الكوخ.
كان هناك ما شغلها.
ثم… صمت.
لم تتحرّك أميليا.
لم تثق بذلك.
بقيت في القبو، تتنفّس بهدوء قدر استطاعتها.
مرّت دقائق، وربما ساعة.
لم تعد قادرة على التمييز.
ثم سمعت صوتًا.
«يا بنت».
كان صوت امرأة.
عجوز.
خشن.
جاء من الأعلى، من داخل الكوخ.
«أنتِ هناك في الأسفل؟»
لم تُجب أميليا.
لم تكن تعلم إن كان خداعًا.
«لن أؤذيك. الكلاب رحلت. يمكنك الخروج الآن».
كان حلقها جافًا لدرجة أنها بالكاد استطاعت الكلام.
ابتلعت بصعوبة وهمست:
«من أنتِ؟»
«شخص لا يفترض أن يكون هنا هو الآخر. هيا، اصعدي. لديّ ماء».
تردّدت أميليا.
ثم تحسّست قطعة خشب بارزة من الجدار.
استخدمتها لتسحب نفسها إلى الأعلى.
تسلّقت ببطء وحذر، حتى استطاعت أن ترى عبر الفتحة.
كان هناك وجه ينظر إليها.
امرأة سوداء مسنّة، شعرها فضي، وعيناها محفورتان بتجاعيد عميقة.
مدّت يدها وساعدت أميليا
وقفت أميليا على ساقين مرتجفتين.
نظرت حولها.
الكلاب اختفت.
وقفت المرأة أمامها وهي تحمل كوبًا من الصفيح.
قالت: «اشربي».
أخذت أميليا الكوب وشربت.
كان الماء دافئًا، لكنه كان ألذّ شيء ذاقته في حياتها.
شربت حتى فرغ الكوب.
«أين ذهبت الكلاب؟» سألت أميليا.
ابتسمت المرأة.
لم تكن ابتسامة فرح، بل ابتسامة معرفة وحزن.
«أنا صرفتها»، قالت.
«كيف؟»
«بنفس الطريقة التي صرفتُ بها كل من جاء يبحث عنّي. أعرف أشياء… أشياء تخيف الكلاب، وتخيف الرجال أيضًا».
حدّقت أميليا فيها.
«من أنتِ؟»
«اسمي إستر. أعيش في هذه الغابة منذ ما يقارب أربعين عامًا. كنتُ مستعبدة في زمنٍ مضى. وهربت».
سكتت لحظة، ثم تابعت:
«أرسلوا كلابًا خلفي أيضًا. لكنني تعلّمت كيف أبقى. كيف أختبئ. وكيف أردّ بطرق لا يفهمونها».
انهارت ساقا أميليا.
جلست بقوّة على الأرض.
«هل سيعودون؟» سألت.
«الكلاب؟ لا. وضعتُ شيئًا في الهواء لا تحبّه. سحر الجذور القديم. علّمتني إيّاه جدّتي».
ثم تغيّر صوتها.
«أما المطاردون… فقد يحاولون الوصول. لذا يجب أن تبتعدي سريعًا».
«ماذا أفعل؟»
ركعت إستر أمامها، ووضعت يدها على كتفها.
«تستريحين، ثم تواصلين الركض. لكن هذه المرّة… تركضين بذكاء. سأريك الطريق».
نامت أميليا ساعتين على أرض الكوخ الترابية.
وحين استيقظت، كان الفجر يتسلّل عبر الشقوق.
كانت إستر جالسة قرب الباب، تراقب الأشجار.
وفي يدها أداة قديمة كانت تستخدمها في شؤون الغابة وحماية نفسها.
قالت دون أن تلتفت:
«سيأتون قريبًا. الكلاب عادت. الرجال سيودّون معرفة سبب عودتها دونك».
جلست أميليا.
كان جسدها يصرخ ألمًا.
قدماها متورّمتان، متقشّرتان بالدم اليابس.
نظرت إليهما وشعرت
دفعتها إلى الداخل.
«كم يبعد النهر؟» سألت.
«يومان إن أسرعتِ. ثلاثة إن لم تفعلي. لكنكِ لن تذهبي إلى النهر».
نظرت إليها أميليا.
«لماذا؟»
«لأنهم يعرفون أن الفارّين يقصدونه. سيضعون رجالًا هناك. تذهبين إلى النهر، تُمسكين… أو أسوأ».
«إذن إلى أين؟»
التفتت إستر أخيرًا.
كانت عيناها قاسيتين، لكن غير قاسيتين عليها.
«إلى الشمال. هناك مستوطنة تبعد أربعة أيام. أناس سود أحرار. لا يسألون أسئلة، ولا يردّون أحدًا. لكن الطريق صعب. مستنقعات، تماسيح، أفاعٍ. أغلب الناس لا ينجون».
قالت أميليا بهدوء:
«أغلب الناس لا ينجون من هناك أيضًا».
ابتسمت إستر ابتسامة خفيفة.
«لديكِ نار في داخلك. ستحتاجينها».
وقفت إستر واتجهت إلى زاوية الكوخ. أزاحت بعض الألواح الخشبية المفكّكة، وأخرجت كيسًا صغيرًا. كان بداخله لحمٌ مجفّف، وقطعة خبز قاسٍ، ووعاء من الصفيح فيه ماء. ناولته لأميليا.
«سيكفيك ليومين إن أحسنتِ التصرّف. بعد ذلك، عليكِ أن تجدي طعامك بنفسك».
هزّت أميليا رأسها.
تنهدت إستر.
«إذن ستتعلّمين بسرعة… أو ستنهكين بسرعة ولن تقدري على إكمال الطريق».
ركعت إستر قرب أميليا وبدأت تلفّ قدميها بشرائط من قماش مزّقته من بطانية قديمة. كان القماش خشنًا، لكنه أفضل من لا شيء.
«لماذا تساعدينني؟» سألت أميليا.
لم تُجب إستر فورًا. أنهت لفّ القماش وجلست إلى الوراء.
«لأن أحدهم ساعدني ذات مرة… منذ زمن بعيد. وأقسمت إن سنحت لي الفرصة يومًا، فسأفعل الشيء نفسه. هذا كل ما في الأمر».
وقفت واتجهت نحو الباب.
«عليكِ أن ترحلي الآن. إنهم قادمون».
«كيف تعرفين؟»
«أشعر بذلك».
وقفت أميليا. كانت ساقاها لا تزالان ترتجفان، لكنهما حملتاها. أخذت الكيس
«وماذا عنكِ؟» سألت.
«سأكون بخير. دائمًا أكون كذلك».
تقدّمت أميليا نحو الباب، ثم توقّفت والتفتت.
«شكرًا لكِ».
أومأت إستر برأسها.
«لا تشكريني الآن. اشكريني حين تصلين».
خرجت أميليا من الكوخ إلى الغابة. كان هواء الصباح باردًا. بدأت الطيور تغرّد. وللحظة، بدا كل شيء هادئًا على نحوٍ غريب.
ثم سمعت الأصوات.
أصوات رجال. كانت بعيدة، لكنها تقترب.
ركضت.
وقفت إستر تراقبها حتى اختفت بين الأشجار. ثم عادت إلى داخل الكوخ، وجلست في وسطه، تنتظر.
كانت قد فعلت هذا من قبل.
كانت تعرف ما سيأتي.
بعد خمس عشرة دقيقة، وصل سايروس غان ومعه خمسة رجال آخرين. كانوا يحملون أدوات مطاردة ومصابيح يدوية رغم أن النهار قد بدأ. أحاطوا بالكوخ. ركل سايروس الباب ودخل.
رأى إستر جالسة هناك، هادئة كأن شيئًا لم يحدث.
«أين هي؟» صاح.
«من؟» سألت إستر.
رفع سايروس يده مهدِّدًا، واقترب بخطوات حادة ليضغط عليها بالكلام.
«الفتاة. الكلاب قادتها إلى هنا. أين هي؟»
نظرت إليه إستر كما ينظر المرء إلى طفل غاضب.
«لا توجد فتاة هنا. أنا وحدي. وأعيش هنا منذ سنوات».
نظر سايروس حوله. رأى الفتحة في الأرضية. اقترب ونظر إلى القبو. كان فارغًا.
استدار نحو إستر.
«أنتِ تكذبين».
«صدّق ما تشاء، لكن لا تجعله حقيقة».
تقدّم أحد الرجال الآخرين.
«سايروس، نضيّع الوقت. الفتاة ابتعدت منذ زمن. لنرحل».
حدّق سايروس في إستر طويلًا. ثم أنزل بندقيته.
«إن اكتشفتُ أنكِ ساعدتها، سأعود… ولن أتراجع هذه المرة».
لم تقل إستر شيئًا.
غادر سايروس ورجاله. استمعت إستر إلى خطواتهم وهي تتلاشى. ثم وقفت، أمسكت سكينها، وخرجت من الباب الخلفي للكوخ.
كان عليها أن تهرب هي الأخرى
تحرّكت أميليا في الغابة بأقصى سرعة تسمح بها قدماها المتقرّحتان. ساعدها القماش، لكن الألم كان حاضرًا في كل خطوة. اتّبعت الاتجاه الذي أشارت إليه إستر، شمالًا، نحو المستنقع، نحو طريقٍ لا تعرف نهايته: إمّا نجاة… أو ضياع.
لم تسمح