قالت: «أتحدث تسع لغات»… فضحك القاضي، ثم سقط صامتًا أمام الجميع!

قالت: «أتحدث تسع لغات»… فضحك القاضي، ثم سقط صامتًا أمام الجميع!

لمحة نيوز

من حي فقير يمكن أن تعرف أكثر منه. هذا العجز لا يفضحني أنا بل يفضح أحكامكم المسبقة وخوفكم من كل ما لا يشبهكم.
تحرك القاضي في مقعده بقلق واضح. بدت عليه علامات رجل يحاول الإمساك بسلطة تتفلت من بين أصابعه. رفع المطرقة وطرق بها مرة أخرى لكن الطرق جاء متسرعا خاليا من الثقة
كفى خطبا يا آنسة توريس.
لم تتحرك ماريانا. لم تتراجع خطوة واحدة. لم تنزل عينيها كما يفترض بالمتهمين أن يفعلوا. رفعت رأسها قليلا ونظرت إليه مباشرة نظرة هادئة لكنها حادة أشد وقعا من أي صراخ
لماذا يزعجك كلامي يا سيدي القاضي أليست هذه المحكمة مكان البحث
عن الحقيقة إن كان صوتي يقلقك فذلك لأنه يعكس شيئا لا ترغب في رؤيته شيئا لا تستطيع السيطرة عليه.
ساد الصمت القاعة صمت ثقيل ليس صمت انتظار بل صمت مواجهة. صمت جعل الأنفاس مسموعة
وحفيف الأوراق عاليا على غير العادة. شعر كثيرون دون أن يعترفوا بذلك أنهم لم يعودوا مجرد متفرجين بل جزءا من السؤال المطروح.
ثم واصلت ماريانا بنبرة ثابتة كمن يضع الكلمات في مواضعها الأخيرة
تتفاخرون بالخبرة والألقاب والمناصب التي تمنحكم الحق في الحكم على الآخرين. فاسمحوا لي أن أسأل سؤالا بسيطا كم لغة تتحدثون أنا في السادسة عشرة من عمري أتحدث تسع لغات. لا لأذل أحدا ولا لأتسلط بل لأفهم العالم كما هو لا كما يراد لي أن أراه. تعلمتها من الناس من الكتب المستعملة من اللاجئين من الشوارع ومن الصمت الطويل. وأنتم ماذا فعلتم بسلطتكم غير أن حولتم الجهل إلى اتهام
بقي السؤال معلقا
في الهواء لا يطلب إجابة بل يفرضها.
صمت القاضي.
خفض المدعي العام نظره وكأن الأوراق بين يديه فقدت فجأة وزنها وقيمتها.
تبادل
المحلفون نظرات مختلفة نظرات أشخاص بدأوا يرون القضية خارج إطار الاتهام الجاهز وكأن ستارا سميكا رفع عن أعينهم دون استئذان.
مرت لحظات ثقيلة بدت أطول مما هي عليه. لحظات كان فيها النظام كله بكل ما يحمله من إجراءات وشكليات معلقا على قرار واحد.
ثم تنفس القاضي بعمق وتكلم أخيرا. لم يكن صوته كما بدأ الجلسة. لم يكن واثقا ولا متعاليا. كان صوت رجل أدرك أمام الجميع أنه أخطأ
تقرر المحكمة أن الاتهام يفتقر إلى الأساس القانوني وتفرج عن الآنسة ماريانا توريس فورا.
وحين سقطت الأصفاد على الطاولة لم يكن الصوت معدنيا فقط بل كان إعلانا صريحا. إعلان نهاية ظلم بني على الاستسهال وبداية وعي جاء متأخرا لكنه جاء.
ارتمت الأم في حضن ابنتها تشدها
بقوة كأنها تستعيد دفعة واحدة كل ليالي الخوف وكل الصلوات الصامتة وكل
المرات التي قالت فيها لنفسها إن ابنتها أقوى مما يظنون. بكت لكنها لم تحاول إخفاء دموعها هذه المرة.
وانفجرت القاعة بالتصفيق. لم يكن تصفيق احتفال ولا ضجيج انتصار بل اعترافا جماعيا بأن ما حدث لم يكن عاديا وأن شيئا ما انكسر وشيئا آخر بدأ.
وقبل أن تغادر ماريانا القاعة توقفت لحظة. التفتت بهدوء وقالت لا بلهجة منتصرة ولا بنبرة تحد بل بصوت واضح كالتذكير الأخير
أنا أتحدث تسع لغات لكن أهمها جميعا هو لغة الاحترام. تلك هي اللغة التي نسيتم ممارستها فحولتم المعرفة إلى جريمة والحقيقة إلى تهديد.
ثم غادرت مرفوعة الرأس لا لأن الحكم أنصفها فقط بل لأنها لم تسمح للنظام ولا للحظة واحدة أن يصغرها أو يملي عليها من تكون.
لأن الحقيقة حين تقال بلا خوف
لا تسقط شخصا واحدا فحسب
بل تفتح شقا في أي نظام
مغلق
ومن
ذلك الشق
يدخل النور.

تم نسخ الرابط