وأما القاسطون فكانوا الجهنم حطبآ؟
فالله لا يحب الظلم، لكنه يحب التائبين. ولذلك لا ينبغي للإنسان أن ييأس مهما أخطأ، بل يعود إلى الله سريعًا قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه الندم.
وهناك معنى عظيم آخر في الآية، وهو أن أهل الإيمان وصفوا أنفسهم بالمسلمين أولًا، فقالوا
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾.
فكأنهم يوضحون أن الناس فريقان لا ثالث لهما
فريق استسلم لله واتبع الحق والعدل والطاعة، وهؤلاء تحروا الرشد والهداية.
وفريق ظلم وطغى وانحرف عن طريق الله، وهؤلاء صاروا لجهنم حطبًا.
وهذا يعلمنا أن الحياة ليست مجرد دنيا نعيشها ثم تنتهي، بل هي اختبار
ويُروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان يقول
لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها لماذا لم تمهد لها الطريق يا عمر؟
هذا هو فهمهم الحقيقي للعدل والخوف من الظلم.
كما أن الآية تذكرنا بأن العدل أساس النجاة في الدنيا والآخرة. فكل بيت يقوم على العدل يستقر، وكل مجتمع ينتشر فيه الظلم ينهار ولو بعد حين. ولهذا أمر الله بالعدل في كل شيء، فقال
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
والإنسان حين يقرأ هذه
هل ظلمت أحدًا؟
هل قصرت في حق من حقوق الناس؟
هل أكلت حقًا ليس لي؟
هل آذيت إنسانًا بكلمة أو فعل؟
هل ظلمت نفسي بالبعد عن الله؟
فهذه المراجعة للنفس من أعظم فوائد القرآن، لأن القرآن لم ينزل للتلاوة فقط، بل للعمل والهداية والتغيير.
ومن أعظم ما يخيف في هذه الآية أن الجن أنفسهم فهموا خطورة الظلم حين سمعوا القرآن، فاعترفوا بالحقيقة وقالوا إن القاسطين سيكونون وقود جهنم. فإذا كانت الجن قد خافت من هذا الوعيد، فكيف بالإنسان الذي يقرأ القرآن صباح مساء ثم يظلم الناس ويظن أن الأمر هين؟
إن الظلم قد يمهل الله صاحبه، لكنه
واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.
وفي النهاية، فإن هذه الآية ليست فقط وعيدًا، بل دعوة عظيمة للرجوع إلى الله، والتمسك بالعدل، والابتعاد عن الظلم بكل صوره. فالسعيد من
وقف مع نفسه قبل فوات الأوان، ورد الحقوق إلى أهلها، وطلب رضا الله، وسار في طريق الرشد الذي ذكره الله في الآيات نفسها.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل العدل والإيمان، وأن يبعدنا عن الظلم والقسوة والطغيان، وألا يجعلنا من القاسطين الذين يكونون لجهنم