وأما القاسطون فكانوا الجهنم حطبآ؟
المحتويات
قال الله تعالى في سورة الجن
﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾
صدق الله العظيم.
هذه الآية القصيرة تحمل معاني عظيمة، وإنذارًا شديدًا لكل من يترك طريق العدل والحق، ويختار الظلم والطغيان والانحراف عن أوامر الله. ورغم قصر كلماتها، إلا أنها تهز القلوب بقوة التعبير ودقة التصوير، فالله سبحانه لم يقل إن القاسطين سيدخلون النار فقط، بل قال إنهم سيكونون حطبًا لها، أي وقودًا تشتعل به النار، وفي هذا من شدة الوعيد ما يجعل المؤمن يقف طويلًا أمام هذه الآية متأملًا وخائفًا ومراجعًا لنفسه.
وقد وردت هذه الآية في سورة الجن، حين تحدث الجن المؤمنون عن أنفسهم بعدما استمعوا إلى القرآن الكريم
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾.
ومعنى القاسطون هنا ليس العادلين، بل الظالمين الجائرين، لأن كلمة قسط في اللغة العربية تأتي بمعنيين مختلفين بحسب صيغة الكلمة.
فالمُقسِط هو العادل، كما قال الله تعالى
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾،
أي العادلين المنصفين.
أما القاسط فهو الجائر الظالم المنحرف عن الحق، الذي يميل عن العدل ويعتدي على حقوق الناس أو يرفض طريق
وقد قال علماء التفسير إن القاسطين هم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان، وابتعدوا عن نور الهداية بعد أن عرفوا الحق أو وصلتهم الدعوة. فهم لم يكتفوا بالمعصية، بل استمروا في الطغيان والجحود والفساد، ولهذا استحقوا هذا الوعيد العظيم.
وتأمل يا أبو حبيبة جمال التعبير القرآني حين قال
﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾.
الحطب هو الوقود الذي تشتعل به النار وتزداد اشتعالًا. وكأن الآية تصور أن الظالمين أنفسهم يصبحون وقودًا للنار بسبب ظلمهم وفسادهم. وهذا تصوير مرعب يدل على شدة العذاب، وأن الظلم ليس أمرًا هينًا عند الله.
فالإنسان قد يظن أن الظلم مجرد كلمة أو تصرف
اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.
فالظلم يطفئ نور القلب، ويهلك الأمم، ويجلب غضب الله.
والقاسطون ليسوا فقط الحكام الظالمين، بل كل من ظلم غيره أو انحرف عن الحق يدخل في معنى الآية بقدر ظلمه.
فالذي يأكل حق الناس قاسط.
والذي يخدع ويغش ويكذب قاسط.
والذي يقطع الأرحام ويؤذي الضعفاء قاسط.
والذي يتكبر على الخلق وينسى أوامر الله قاسط.
بل إن أعظم الظلم هو الشرك بالله والكفر به سبحانه، كما قال تعالى
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾.
ومن رحمة الله سبحانه أنه فتح باب التوبة قبل الموت، فمن تاب من ظلمه وأناب إلى الله ورد الحقوق إلى أصحابها، غفر
متابعة القراءة