أصبح الحنش الذي أربيه غريبًا في الأيام الأخيرة

لمحة نيوز

سألتها بتوتر

أي رائحة؟

نظرت إليّ طويلًا قبل أن تجيب

الجاوي.

ثم أضافت بصوت منخفض

جدتك كانت

 

تشعله كل ليلة.

حاولت الضحك.

كل العجائز يفعلن هذا.

لكنها لم تضحك.

بل اقتربت أكثر وهمست

ليس هكذا.

ثم التفتت فجأة نحو الحوض الزجاجي.

كان ميمون قد رفع رأسه بالكامل، يراقبها دون حركة.

تغير لون وجهها.

وتمتمت

ما زال يحرس

شعرت بانقباض في صدري.

يحرس ماذا؟

لكنها تجاهلت سؤالي، وسارت ببطء نحو غرفة جدتي المغلقة منذ وفاتها.

وفجأة توقفت أمام الباب.

أنتِ لم تدخلي هذه الغرفة بعد موتها صحيح؟

هززت رأسي بالنفي.

كانت تمنعني دائمًا.

وضعت لالة زهور يدها فوق المقبض القديم.

ثم سحبتها بسرعة، كأنها لمست شيئًا ساخنًا.

لا تفتحيها ليلًا

مهما حدث.
قالتها بجدية جعلتني أتوتر أكثر.
لماذا؟
التفتت نحوي ببطء.
ثم قالت الجملة التي جعلت معدتي تنقبض
بعض الأبواب حين تُفتح لا تُغلق بسهولة.
في تلك الليلة، لم أشعل أي ضوء داخل البيت.
كنت أريد النوم فقط.
أن تنتهي هذه الأيام الغريبة.
لكن منذ اللحظة التي أغلقت فيها باب غرفتي
بدأت أسمع الصوت.
خطوات بطيئة داخل الممر.
مرة.
ثم مرة أخرى.
توقفت أنفاسي.
حاولت إقناع

نفسي أن الصوت صادر من الجيران أو من خشب البيت القديم.
لكن الخطوات توقفت تمامًا خلف باب غرفتي.
ثم
سمعت تنفسًا.
شعرت بجسدي يتجمد.
أما ميمون، فكان ملتفًا قرب الباب، رافع الرأس، وفحيحه يزداد تدريجيًا.
وبعد لحظات
سمعت امرأة تهمس باسمي مرة أخرى.
غيثة
كانت قريبة جدًا هذه المرة.
كأن فمها ملاصق للباب.
ثم بدأ المقبض يتحرك ببطء.
صرخت
من هناك؟!
توقف كل شيء فورًا.
لا صوت.
لا حركة.
ركضت نحو الباب وفتحته دفعة واحدة.
الممر فارغ.
لكن الهواء كان باردًا بشكل غريب.
ورائحة البخور خانقة أكثر من أي وقت مضى.
ثم وقع

 

بصري على شيء جعلني أتراجع فورًا.

باب غرفة جدتي

كان مفتوحًا.

شعرت بقلبي يهبط داخل صدري.

أنا متأكدة أنني تركته مغلقًا.

بل ومقفلاً.

أما الآن، فكان مفتوحًا قليلًا.

فتحة سوداء وسط الظلام.

وميمون

كان يحدق نحوه مباشرة.

ظللت واقفة دقائق طويلة دون حركة.

لا أعرف لماذا شعرت أن الاقتراب من الغرفة خطأ.

لكن الفضول كان أقوى.

تقدمت ببطء داخل الممر.

الأرضية الباردة تصدر صريرًا خافتًا تحت قدمي.

أما ميمون، فقد تبعني بصمت.

حين وصلت إلى الباب

شعرت برائحة الحرمل تضرب وجهي بقوة.

الغرفة كانت مظلمة

إلا من ضوء خافت يتسلل من النافذة القديمة.

كل شيء فيها بقي كما تركته جدتي.

السرير.

السجادة الحمراء.

المبخرة النحاسية.

حتى عباءتها السوداء كانت معلقة خلف الباب.

لكن شيئًا واحدًا كان مختلفًا.

خزانة صغيرة في زاوية الغرفة

مفتوحة.

اقتربت منها ببطء.

وفي الداخل وجدت صندوقًا خشبيًا قديمًا.

ترددت قبل لمسه.

ثم فتحته.

في البداية ظننت أنني أرى أوراقًا عادية.

لكنني أدركت بعد لحظات أنها ليست كذلك.

كانت

 

صفحات مكتوبة بخط جدتي.

أدعية.

آيات.

وكلمات لم أفهمها.

وبين الأوراق

وجدت صورة قديمة بالأبيض والأسود.

جدتي شابة.

تقف وسط الفناء الداخلي.

وبجوارها

ميمون.

نفس الحنش.

بنفس حجمه تقريبًا.

شعرت بقشعريرة تزحف داخل ظهري.

الصورة تعود لأكثر من ثلاثين سنة.

كيف لم يتغير؟

سمعت فجأة صوت ارتطام خلفي.

التفت بسرعة.

كان ميمون قد اندفع نحو باب الغرفة، ووقف أمامه كأنه يمنع شيئًا من الدخول.

ثم بدأ يصدر ذلك الفحيح الغاضب نفسه.

وفي اللحظة التالية

انطفأ الضوء القادم من الممر.

غرقت الغرفة في ظلام كامل.

تجمّدت في مكاني، وأنا أسمع صوتًا غريبًا بالخارج.

ليس خطوات.

ولا صوت إنسان.

بل احتكاكًا

خافتًا، كأن شيئًا يُسحب ببطء فوق الأرض القديمة.

أما ميمون

فبدأ يضرب ذيله بعنف.

مرة.

ثم مرة أخرى.

حتى اهتزّ باب الغرفة.

أردت الصراخ، لكن صوتي اختفى تمامًا.

وفجأة

ساد الصمت.

صمت ثقيل إلى درجة أنني كنت أسمع دقات قلبي بوضوح.

وبعد ثوانٍ طويلة، عاد الضوء فجأة.

ارتعشت عيناي نحو الباب فورًا.

الممر

 

كان فارغًا.

لا شيء هناك.

لكن ميمون لم يتحرك.

ظل منتصبًا مكانه لثوانٍ، ثم بدأ جسده يترنح ببطء.

شعرت بقلبي ينقبض. صفحة دقات قلب

ميمون؟

التفت نحوي أخيرًا.

ولأول مرة منذ عرفته

بدا مرهقًا.

كأن شيئًا استنزفه بالكامل.

تحرك بصعوبة فوق الأرض، ثم عاد يزحف نحو غرفتي ببطء شديد.

وفي منتصف الطريق تقريبًا

توقف.

ثم سقط رأسه على الأرض فجأة.

ركضت نحوه فورًا.

ميمون!

لم يتحرك.

وضعت يدي قرب رأسه المرتجف.

كان يتنفس بصعوبة.

ثم رفع عينيه نحوي للحظة أخيرة.

هدأ الفحيح تمامًا.

وسكن جسده.

بقيت جالسة بجواره حتى الفجر، غير قادرة على استيعاب ما حدث.

وفي الصباح

كان ميمون ميتًا.

ساعدتني لالة زهور في دفنه داخل الحديقة الصغيرة وسط الرياض.

لم تقل الكثير.. بقلم سلمى

فقط ظلت تراقب الجسد الطويل

الملفوف بالقماش الأبيض بصمت غريب.

وقبل أن نغطيه بالتراب، تمتمت بهدوء

بعض الحناش كتموت وهي واقفة على باب الدار.

لم أفهم قصدها تمامًا صفحة دقات قلب 

لكنني لم أسأل.

في تلك الليلة

دخلت غرفتي وأنا أتوقع

 

أن أسمع الخطوات نفسها.

أو أشم رائحة البخور.

أو أستيقظ على ذلك الشعور الثقيل الذي كان يخنق صدري كل ليلة.

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

كان البيت هادئًا للمرة الأولى منذ وفاة جدتي.

هادئًا بشكل طبيعي.

حتى نافورة الفناء

سمعت صوت الماء يعود إليها من جديد.

جلست طويلًا أحدق في المكان الفارغ قرب سريري.

المكان الذي كان ميمون يتمدد فيه كل ليلة.

ثم تذكرت كلام الجارات

الحنش اللي كيسكن الدار راه حافظ السر.

ولأول مرة

شعرت أنني فهمت ما كنّ يقصدنه.

تم نسخ الرابط