في جنازة جدي

لمحة نيوز

في جنازة جدي كان والدي جالس يبتسم بسخرية بينما المحامي يوزّع الميراثالأراضي، الأموال، وكل مظاهر السلطةعلى أقارب لطالما عاملوني كأني لا شيء وعندما نُودي على اسمي أخيرًا، لم أحصل سوى على ظرف صغير ونظرات شفقة واضحة لكن ما بداخله غيّر كل شيء.
لم يكن مجرد ورقة
كان تذكرة سفر باتجاه واحد إلى لندن
ورسالة بخط يد جدي
واستدعاء قادني إلى سر دفنه أعمق من ثروته نفسها
وقبل أن تدرك عائلتي أنني لم أُستبعد من إرثه كما ظنوا
كانت الحقيقة التي قادرة على تحطيم كل ما يملكون أصبحت بالفعل بين يدي.
كان صوت طلقات التحية العسكرية لا يزال يتردد في صدري عندما نطق المحامي اسمي.
لم يكن بصوت عالٍ ولا باهتمام
مجرد تنحنح خافت وظرف صغير انزلق فوق الطاولة الطويلة وكأنه لا قيمة له.
حصل والداي على القصر في الإسكندرية.
والحسابات البنكية.
والاستثمارات.
أما أخي فكان يبتسم تلك الابتسامة الواثقة التي تظهر كلما تأكد له أن المال يدعم غروره.
وأنا؟
حصلت على ظرف.
اتكأ والدي للخلف وضحك بخفة
واضح إن الراجل ما كانش بيحبك قوي يا حبيبتي.


كانت كلماته أقسى مما توقعت
ليس لأنني صدقته
بل
لأن جزءًا بداخليذلك الجزء المتعب الذي عاش سنوات يُعامل كابنة زائدة في عائلة لا تحترم إلا الرجالكان يعرف تمامًا كيف يراني الجميع في تلك اللحظة
فارغة اليدين
منسية
سهلة التجاهل.
خرجت إلى الخارج وفتحت الظرف بعيدًا عنهم
لن أسمح لهم أن يروا آخر ما تركه لي جدي وكأنهم انتصروا.
كان هواء أكتوبر باردًا ورطبًا، ورائحة الأرض تملأ المكان.
في الأسفل، كان الجنود لا يزالون يطوون العلم
وفي الداخل، بدأت أصوات الكؤوس تتصادم
حزن أمي تحول إلى احتفال صامت خلال دقائق.
فتحت الظرف.
تذكرة سفر إلى لندن.
ورسالة قصيرة بخط يد جدي
لقد خدمتِ بصمت كما فعلت أنا والآن حان الوقت لتعرفي الباقي. توجهي إلى لندن. الواجب لا ينتهي عندما نخلع الزي العسكري.
هذا كل شيء.
لا عنوان
لا تفسير
فقط لندن.
خرج والدي إليّ وأنا ما زلت ممسكة بالرسالة.
قال بسخرية
إنتِ مش ناوية تروحي فعلاً، صح؟
أجبته بثبات
لا رايحة.
نظر إليّ بنفس النظرة التي نظرها يوم اخترت البحرية بدل الحياة التي رسموها لي.
لندن
غالية ما ترجعيش تصرخي لما الفلوس تخلص.
نظرت إليه جيدًا
رأيته واقفًا بثقته، بأمواله، وباعتقاده
أنه يفهم كل شيء.
ثم أعدت طي الرسالة وقلت بهدوء
مش هرجع.
في تلك الليلة، حزمت أمتعتي دون تردد.
زيي العسكري
ملفي في البحرية
رسالة جدي
أما العلم المطوي فظل عند قدم السرير.
ولأول مرة منذ بداية الجنازة شعرت بشيء مختلف عن الحزن
شعرت بالاتجاه.
في صباح اليوم التالي، بالمطار، قامت الموظفة بمسح التذكرة
ثم رفعت رأسها إليّ بنظرة مختلفة تمامًا.
يا فندم تم ترقية رحلتك.
سألت بدهشة
لأي درجة؟
قالت
الدرجة الأولى على نفقة السفارة البريطانية.
تجمدت للحظة.
السفارة؟!
لكنها كانت قد أنهت الإجراءات بالفعل.
طوال الرحلة لم أشعر أن ما يحدث طبيعي.
كنت أخرج رسالة جدي وأعيد قراءتها مرارًا
وكأن الكلمات قد تتغير وتكشف الحقيقة.
في الخارج كان المحيط الأطلسي يبدو كالفولاذ
وفي الداخل كل شيء هادئ كأنه يوم عادي.
لكنه لم يكن عاديًا أبدًا.
كان وكأنني دخلت الجزء المخفي من حياة جدي
عندما وصلت إلى لندن
كانت المدينة رمادية، مبللة بالمطر،
وصامتة بشكل غريب.
مررت من الجوازات وسحبت حقيبتي وقلت لنفسي
هفهم كل حاجة خطوة خطوة.
ثم رأيته.
سائق يرتدي معطفًا داكنًا يحمل لافتة.
لم تكن
باسم العائلة
كانت باسمي الكامل
الملازم ليلى سامي.
أنزل اللافتة فور رؤيتي وأدى تحية عسكرية دقيقة.
يا فندم اتفضلي معايا حضرتك متوقعة.
توقفت مكاني.
متوقعة من مين؟
لم يبتسم
لم يتردد
فتح باب السيارة السوداء وقال الجملة التي جعلت العالم كله يصمت حولي
يا فندم جلالة الملكة في انتظارك.
انتهت طلقات التحية العسكرية فوق تلال الساحل الشمالي عندما تنحنح المحامي حازم رفعت وقرأ اسمي.
كنت واقفة عند شباك مكتبة القصر أراقب الجنود وهم يطوون العلم بدقة غريبة حزنهم كان صامت لكنه مليان احترام.
وافتكرت آخر مرة اتكلمت فيها مع جدي
من ست شهور في نفس البيت
كنا بنشرب قهوة بردت وهو قال جملة مفهمتهاش غير بعد وفاته
الناس اللي بتشتغل في صمت التاريخ عمره ما بيذكرهم لكنه دايمًا محتاجهم.
وبصلي بطريقة مختلفة عن أي حد في العيلة
كأنه شايف فيا حاجة أنا نفسي لسه مش شايفاها.
جدي كان لواء
أربع نجوم
خدم سنين طويلة في مهام محدش مسموح له يحكي عنها.
كان عنده أوسمة معلّقة على الحيطة
وأوسمة تانية
تم نسخ الرابط