قال لها بدوني أنتِ لا شيء فتركته وأثبتت له العكس بطريقة صادمة!
لكنها لم تكن ترى شيئًا.
كانت عيناها دائمًا مشغولتين بالخوف،
وقلبها منشغلًا بما قد يحدث بعد دقائق.
أما الآن…
فكانت ترى كل شيء.
الشارع البسيط،
بائع القهوة في الزاوية،
طفل يركض خلف كرة،
امرأة تضحك وهي تتحدث في الهاتف…
أشياء عادية…
لكنها بدت لها كأنها عالمٌ جديد بالكامل.
جلست على الأرض من جديد،
وضمّت ركبتيها إلى صدرها،
كما كانت تفعل قديمًا…
لكن الفرق هذه المرة…
أنها لم تكن تحتمي من شيء.
بل كانت… تستعيد نفسها.
مرّت الدقائق ببطء،
ثم الساعات،
وهي لم تشعر بالحاجة إلى أن تملأ الصمت.
لم تبحث عن موسيقى،
ولا عن هاتف،
ولا حتى عن حديث.
فقط… كانت هناك.
وهذا… كان كافيًا.
لكن، وسط هذا الهدوء،
بدأت أفكار أخرى تتسلل.
ماذا بعد؟
السؤال الذي كانت تؤجّله دائمًا،
صار الآن جالسًا
واضحًا… لا يمكن تجاهله.
لم تعد هناك حجة.
لا خوف يبرر البقاء.
ولا قيود تبرر التراجع.
الآن…
هي وحدها.
وذلك… كان جميلًا…
ومخيفًا… في الوقت ذاته.
ابتسمت ابتسامة خفيفة،
وقالت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"حسنًا… لنبدأ."
وقفت ببطء،
ومسحت دمعة صغيرة لم تكن قد شعرت بها.
ثم أخذت الحقيبة الأولى،
وفتحتها.
بدأت تُخرج أغراضها… قطعةً قطعة،
كأنها تعيد ترتيب حياتها،
وليس فقط خزانتها.
وضعت الكتب في زاوية،
الملابس في أخرى،
وذلك الدفتر القديم… الذي كانت تكتب فيه أحلامها…
أخرجته بعناية.
ترددت لحظة…
ثم فتحته.
الصفحات الأولى…
كانت مليئة بأحلام بسيطة:
"أريد بيتًا هادئًا."
"أريد أن أشعر بالأمان."
"أريد أن أكون نفسي… دون خوف."
توقفت عند هذه الجملة تحديدًا.
أعادت قراءتها… مرة… ومرتين.
ثم ضحكت بخفة.
"يبدو أنني وصلت… أخيرًا."
لكنها لم تغلق الدفتر.
بل قلبت الصفحة…
وأمسكت القلم.
ترددت قليلًا،
كأنها لا تعرف ماذا تكتب.
ثم بدأت.
"اليوم… بدأت من جديد."
توقفت…
ثم أضافت:
"بدون خوف."
"بدون إذن من أحد."
"بدون أن أكون ضيفة في حياتي."
أغلقت الدفتر،
وضمّته إلى صدرها للحظة.
ثم وضعته بجانبها.
في تلك اللحظة…
لم تكن قد أصلحت كل شيء.
لم تكن قوية طوال الوقت.
لم تكن تعرف كيف سيكون الغد.
لكنها…
كانت صادقة مع نفسها.
وكان ذلك… أكثر مما كانت تملكه طوال السنوات الماضية.
في الجهة الأخرى من المدينة،
كان رامي يجلس في نفس المكان،
محاطًا بنفس الجدران،
لكن بشعورٍ مختلف تمامًا.
الهاتف أمامه،
والصمت حوله…
لكنه هذه المرة… لم يكن صمتًا عاديًا.
كان صمتًا يكشف كل شيء.
كل
كل مرة رفع صوته.
كل لحظة جعلها تشعر أنها أقل.
مرّت تلك المشاهد في رأسه…
واحدة تلو الأخرى.
وللمرة الأولى…
لم يحاول تبريرها.
بل… فهمها.
خفض رأسه،
وأغمض عينيه.
لم يكن يعرف ماذا يفعل الآن.
لم يكن يعرف كيف يُصلح ما كسره.
لكنه أدرك شيئًا واحدًا فقط:
أن بعض الأبواب…
حين تُغلق،
لا تُفتح بالكلام.
بل… بالتغيير.
وبعضها…
لا يُفتح أبدًا.
أما ليلى…
فقد أطفأت الضوء بعد ساعات.
استلقت على الأرض،
على فراشٍ بسيط،
لكن قلبها… كان أخف من أي وقتٍ مضى.
نظرت إلى السقف،
وابتسمت مرة أخرى.
ثم همست:
"هذه… حياتي."
وأغمضت عينيها.
ولأول مرة منذ سنوات…
نامت…
دون خوف،
دون قلق،
دون أن تنتظر صوتًا يوقظها.
نامت…
كأنها أخيرًا…
وصلت.
لكن الحقيقة…
أنها لم تكن النهاية.
بل…
كانت
بداية امرأة…
تعلمت أن تختار نفسها.
بداية قلب…
فهم أن الحب لا يعني الخضوع.
وبداية طريق…
قد يكون طويلًا…
لكنه هذه المرة…
سيكون لها.
(وهذه المرة… لن تعود.)