أعطت آخر ما تملك لرجلٍ مشرّد… وبعد 27 عامًا عاد ليغيّر حياتها بالكامل!
مررتُ يدي على غلافه ثم فتحته على صفحة فارغة.
ظللتُ أنظر إليها طويلًا
ثم أمسكتُ القلم.
وكتبتُ
3 نيسان أعدتُ الجميل لمن ساعدتني عندما لم يكن لدي شيء.
نظرتُ إلى الجملة
كانت بسيطة.
لكنها كانت أثقل من ذلك بكثير.
ومع مرور الأيام لم يعد الأمر مجرد صدفة،
ولا لحظة عابرة، بل تحوّل إلى عادةٍ هادئة تسري في حياتي دون أن أشعر.
لم تكن أفعالًا كبيرة، ولا قصصًا تُروى أمام الناس.
كانت أشياء صغيرة لكن
أثرها كان عميقًا.
كنتُ أخرج صباحًا، فأدفع أجرة الحافلة لشخصٍ يقف حائرًا عند الباب، يبحث في جيوبه عن نقودٍ ناقصة.
أترك بعض المال على طاولة زميلٍ أعرف أنه يتأخر في دفع إيجاره، دون أن أقول كلمة.
أضع أكياس الطعام أمام باب عائلةٍ في الحي، ثم أغادر قبل أن يفتح أحدهم الباب.
لم أكن أبحث عن شكر.
ولم أكن أريد أن يعرف أحد.
كنتُ فقط أعيد شيئًا فهمتُه متأخرًا.
أن الرحمة لا تُقاس بما تعطيه بل باللحظة التي تختار
وفي أحد الأيام، جلست مي أمامي على الطاولة، تراقبني بصمت وأنا أفتح الدفتر وأكتب.
كانت عيناها تتابعان كل حركة، وكأنها تحاول أن تفهم ما الذي تغيّر فيّ.
رفعتُ رأسي قليلًا، فوجدتها تبتسم ابتسامة خفيفة، رغم تعبها.
قالت بهدوء
أنتِ تفعلين ما كان يفعله عارف أليس كذلك؟
توقفتُ لحظة.
نظرتُ إلى الدفتر، ثم إليها.
ابتسمتُ، وقلت
أحاول.
لم أقل أكثر من ذلك لأنني لم أكن متأكدة أنني أستطيع أن أصل لما كان يفعله.
ابتسمت مي أكثر، وقالت
أعتقد أنه سيكون سعيدًا لو رآكِ الآن.
تسللت تلك الجملة إلى قلبي بهدوء لكنها بقيت هناك طويلًا.
بعد أسبوع، قررتُ أن أفعل شيئًا لم أكن أظن أنني سأفعله يومًا.
ذهبتُ إلى مقبرة هادئة خارج المدينة.
الطريق إليها كان طويلًا وصامتًا، وكأن كل شيء حولي يعرف أنني ذاهبة لموعدٍ مختلف.
أعطاني المحامي الموقع بدقة، لكنني حين وصلت، توقفتُ لحظة عند
لم أدخل فورًا.
كان في داخلي شعور غريب مزيج من الامتنان، والحزن، والدهشة.
ثم دخلت.
مشيتُ بين القبور ببطء، أقرأ الأسماء، وأتساءل عن القصص التي انتهت هنا.
حتى وجدته.
لوحٌ بسيط يحمل اسم عارف.
لا شيء مبالغ فيه.
لا كلمات طويلة.
فقط اسم وتاريخ.
وقفتُ أمامه.
لم أتحرك.
لم أتكلم.
فقط بقيتُ هناك كأنني أحاول أن أستوعب أن هذا المكان هو نهاية قصة بدأت بلحظة قصيرة تحت المطر.
مرّت دقائق أو ربما أكثر.
لا أعرف.
ثم أدخلتُ يدي في جيبي، وأخرجتُ ورقة نقدية.
عشرة آلاف دينار.
نفس المبلغ الذي أعطيته له قبل سبعةٍ وعشرين عامًا.
نظرتُ إليها لحظة ثم وضعتها بهدوء عند أسفل القبر.
كما لو أنني أُعيد شيئًا لم يكن يومًا لي.
انحنيتُ قليلًا، وهمستُ بصوتٍ خافت
وجدتك كما وجدتني.
بدت الجملة غريبة حين نطقتها لكنها كانت صحيحة.
هو بحث عني لسنوات
وأنا وصلتُ
وقفتُ هناك قليلًا أراقب المكان من حولي.
الهواء كان ساكنًا.
والصمت عميق.
ثم استدرتُ لأغادر.
خطوتُ بضع خطوات ثم توقفت.
التفتُّ إلى الخلف مرة أخيرة.
نظرتُ إلى القبر إلى الاسم إلى تلك النقطة الصغيرة في هذا العالم الواسع، التي غيّرت حياتي
بالكامل.
لسنواتٍ طويلة، كنتُ أعتقد أنني لا أستطيع تحمّل كلفة الرحمة.
كنتُ أظن أن العطاء يُنقص أن الخير يُضعف أنني إن أعطيتُ وأنا محتاجة، سأخسر أكثر.
كنتُ أعيش بمنطق النجاة فقط.
لكنني كنتُ مخطئة.
لأن الحقيقة التي لم أفهمها حينها أصبحت واضحة الآن
بعض الأشياء لا تضيع.
لا تختفي.
لا تُنسى.
لا تنتهي عند لحظتها.
قد تختفي من عينك لكنها تبقى في حياة شخصٍ آخر، تكبر، وتتغير، وتعود إليك يومًا بشكلٍ لم تتخيله أبدًا.
عدتُ إلى منزلي في ذلك اليوم وفتحتُ الدفتر مرة أخرى.
جلستُ على الطاولة في نفس المكان الذي بدأتُ
فتحتُ صفحة جديدة.
بقيتُ أنظر إليها طويلًا.
ثم أمسكتُ القلم وكتبت
اليوم فهمتُ أن الخير لا يُفقد بل ينتظر.
توقفتُ قليلًا ثم أضفت
وسيجد طريقه إليك حتى لو تأخر سنوات.
أغلقتُ الدفتر بهدوء.
وضعتُ يدي
عليه.
وأغمضتُ عيني.
وللمرة الأولى منذ زمنٍ طويل
لم أشعر بالخوف من الغد.