صدمـة اللـقاء كـاملة بقلـم انجي الخطيب
ثمن القسوة لما الماضي يرجع يطالب بحقه
مريم سليمان عمرها ما تخيلت إنها هتشوف رؤوف وجدي تاني.. وبالذات مش في نفس الشارع اللي كانت عايشة فيه ست هانم في بيته.
نزلت مريم من ورا عربية الزبالة، طقم الشغل البرتقالي غرقان عرق من وردية الفجر اللي بتبدأ الساعة 430. قبل ما الشمس تطلع، كانت باسة ولادها التوأم على جبينهم؛ ياسين وحلا كانوا لسه نايمين تحت البطانية الخفيفة، وهي كل يوم بتهمس في ودنهم بنفس الجملة قبل ما تنزل ماما هترجع قوام يا حبايب قلبي.
نزلت مريم للشغل. جسمها تعبان، بس قلبها ثابت.
بقالها 6 سنين ده حالها. تصحى قبل الفجر، تشقى لحد ما عضلاتها توجعها، وترجع تجري عشان تلحق تذاكر للعيال وتخبي ورا ابتسامتها جبل من الوجع.
لكن الصبح ده.. الدنيا قررت تفتح قبر مريم كانت بقالها سنين بتحاول تردم عليه.
عربية الزبالة دخلت شارع الأشجار، ونفس مريم اتكتم.
عرفت السور العالي.. الجناين المتنسقة.. الفلل اللي ورا البوابات الحديد السوداء.
هنا عاشت.. وهنا حبت.. وهنا اتعلمت إن الحب مش دايماً هو اللي بينقذنا.
إنتي كويسة يا مريم؟
في المراية بقلق.
عماد كان راجل هادي، من النوع اللي يحس بسكوتك وما يضغطش عليك.
أنا تمام يا عماد.. كمل طريقك، كدبت مريم وهي بتحاول تظبط وقفتها.
نزلت تلم أول كيس، وفجأة سمعت الصوت ده.
رزعة باب عربية فارهة.
ريحة البرفان الغالي اللي شمتها مع الهوا.
مريم اتسمرت في مكانها. قبل ما تلف، كانت عارفة.
رؤوف وجدي كان واقف على بعد خطوات، ببدلته الشيك، وماسك الموبايل بيتكلم في أرقام وعقود وملايين، وكأنه عمره ما شال في حياته هم أثقل من الأنا بتاعته.
في الأول ما شافهاش، كان لسه بيتكلم بعصبية، وفجأة الموبايل وقع من إيده واتدشدش على الرصيف الرخام.
رؤوف وشه بقى أصفر زي الكفن.
مريم شافت اللحظة اللي عقله استوعب فيها الحقيقة.. مش بس وشها، لا.. استوعب كل اللي الوش ده بيمثله المرض، الغدر، الطلاق، والوجع.
مريم؟ همس وكأنه شايف عفريت.
عماد نزل من العربية ووقف جنبها فوراً. ما كانش يعرف مين ده، بس كان فاهم النظرة اللي في عين مريم.. نظرة الست اللي الماضي رجع ينهش فيها.
قبل ما مريم تنطق، باب الفيلا
إيه يا رؤوف، هتتأخر على الاجتماع، في إيه اللي موقف...
بصت
لمريم وضحكت ضحكة صفرا.
آه.. هي دي بقى طليقتك؟ رؤوف وراني صور قديمة ليكي.. الحقيقة، تغيير جذري!
مريم رفعت راسها بكل كبرياء وقالت بصوت ثابت
فعلاً، اتغيرت للأحسن.. اتعلمت إن الكرامة مش باللبس ولا بالبرفان، الكرامة هي اللي بتعمليه لما الدنيا تسيبك من غير ولا مليم وتعرفي تقفي على رجلك.
السكوت حل زي الصدمة. رؤوف بصوت مخنوق قال للست اللي معاه فاتن.. ادخلي جوه.
دخلت فاتن وهي بتبرطم، ولما الباب اتقفل، رؤوف قرب خطوة واحدة.. وكأن أي خطوة تانية هتهده.
ما كنتش أعرف.. ما كنتش أعرف إنك وصلتي لكده.. بتشتغلي...
ضحكت مريم ضحكة باردة بلم زبالة؟ قولها يا رؤوف ما تتكسفش.. أنا بلم اللي الناس اللي زيك بيرموه من غير ما يبصوا وراهم.. لايق عليا جداً، لأن ده اللي إنت عملته فيا بالظبط.
رؤوف نزل عينه في الأرض كنت وحش.. أنا أسف يا مريم، أنا...
قربت منه وهي بتقول وحش؟ دي كلمة شيك أوي على اللي عملته. إنت رمتني وأنا عيانة.. بعتني وأنا
الكلمة كانت زي القنبلة. رؤوف اتصدم حامل؟
مريم حست بوجع في صدرها، كانت دافنة السر ده 6 سنين عشان تحمي ولادها، مش عشان تحميه هو.
توأم.. ياسين وحلا.. عندهم 6 سنين دلوقتي.
رؤوف مسك في بوابة الحديد وكأنه هيقع أنا عندي ولاد؟
بالدم.. أيوه. لكن بأي معنى تاني.. لأ. إنت ما كنتش موجود، ولا سألت، ولا فرق معاك حتى لو كنت موت.
عماد حط إيده على كتف مريم يلا يا مريم، ورانا
شغل.
قبل ما تطلع العربية، بصت لرؤوف نظرة أخيرة عارف الفرق بيننا إيه يا رؤوف؟ أنا لما خسرت كل حاجة، عرفت أبني حياة.. لكن إنت لما تخسر كل حاجة، هتكتشف إنك عمرك ما امتلكت حاجة حقيقية أصلاً.
بعد تلات أيام، رؤوف راح مكتب هيئة النظافة.
بدلته مكرمشة، دقنه طالعة، وعينه باين فيها السهر والتعب.
عماد شافه في الصالة ومنعه يدخل مش عايزة تشوفك.
رؤوف رد بلهفة وإنت عرفت منين؟
لأنها لما روحت كانت بتترعش.. شفتها وهي حاضنة ولادها وبتعيط من غير ما تقولهم ليه.
رؤوف سأله بكسرة إنت تعرفهم؟ ياسين وحلا؟
عماد بصله بقرف أيوه.. بيقولولي يا عمو عماد. أنا