كان سيمرّ من دون أن يلتفت… لكن ما رآه بين النسور غيّر كل شيء

لمحة نيوز

حين رأيت ذلك المشهد شعرت وكأن العالم سيتوقف في صدري. كنت أسير وحيدا كما في معظم الأوقات ومحرك الشاحنة يزأر تحت قدمي والحرارة تلتصق بكابينة القيادة كأنها بطانية خانقة. كان الطريق السريع BR135 يشق ولاية بياوي بقسۏة لا يفهمها إلا من عاش عمره على الطرقات إسفلت متشقق وكتف طريق مغطى بالتراب الأحمر وشجيرات منخفضة تمتد حتى تذوب في الأفق. كان الوقت آخر النهار. الشمس منخفضة وبرتقالية جعلت كل شيء يبدو معلقا كأن الزمن نفسه تردد لحظة قبل أن يواصل السير.
كنت أقود في ذلك المقطع منذ سنوات. أعرف منحنياته وحفره والشجرة الملتوية التي تستخدم علامة على الطريق والمكان الذي تختبئ فيه الشرطة لاصطياد سائق الشاحنة المتعب. ومع ذلك في ذلك اليوم تحديدا شيء ما أخرجني من القيادة الآلية التي اعتدتها.
منذ ۏفاة زوجتي قبل ثلاث سنوات تحولت حياتي إلى هذا الروتين كابينة مقود حمولة تفريغ ثم حمولة أخرى وطريق آخر. نعم لدي مطبخ صغير في تيريزينا لكنني أعود إليه مرتين أو ثلاثا في الشهر كما لو كنت أزور غرفة لا تخصني. كنت أفضل ضجيج المحرك على صمت البيت الفارغ. على الطريق لا تطالبك الوحدة بشيء لا تطلب حديثا ولا تنتظر منك أن تكون أقوى أو أكثر مرحا أو أكثر اكتمالا. تتركك فقط موجودا.
كنت قادما

من ساو لويس أحمل مواد بناء متجها إلى بارييراس في ولاية باهيا. تناولت غداء ثقيلا في مطعم على جانب الطريق من تلك المطاعم ذات الكراسي البلاستيكية والقهوة السوداء التي تقوي الروح. ثم عدت إلى الإسفلت برأس أخف وجسد أثقل أفكر فقط في الوصول إلى نقطة التوقف التالية من دون استعجال. فالاستعجال لمن ينتظرهم عناق في البيت. أما أنا فلا أحد.
بدأ الحر يخف مع انخفاض الشمس لكن الأرض ظلت تحترق. كانت الزيزان تصدح بإلحاح صوتا متواصلا يتحول من كثرة تكراره إلى ما يشبه الموسيقى. كنت أسوق وذهني شارد في مكان بعيد حين رأيته.
في البداية ظننته قمامة على جانب الطريق كومة مخلفات رماها أحدهم كيسا قديما قطعة قماش شيئا بلا شكل واضح. لكنني رأيت الدائرة. خمسة أو ستة من النسور السوداء الكبيرة واقفة في صمت. الغريب لم يكن وجودها بل سكونها. لم تتقاتل لم تتدافع لم تظهر استعجالا. كانت فقط تنتظر بصبر بارد كأنها تعلم أن الزمن يعمل لصالحها.
خففت السرعة دون أن أعطي قدمي أمرا بذلك. احتج المحرك قليلا. وخفق قلبي ذلك الخفقان الذي يسبق اليقين. وحين اقتربت الشاحنة بما يكفي اخترقني اليقين.
كانت هناك فتاة شابة ملقاة على الأرض مستلقية على ظهرها ذراعاها ممدودتان كأنها سقطت ثم استسلمت. كانت ملابسها
الفاتحة ملطخة بالتراب الأحمر وممزقة عند الكتف. إحدى قدميها عاړية وحذاؤها على بعد أمتار قليلة والقدم الأخرى ما زالت منتعلة لكنها ملتوية بزاوية غير طبيعية. شعرها الداكن كان يغطي جزءا من وجهها وبشرتها شاحبة تكاد تميل إلى الرمادي تحت ضوء الغروب.
توقفت على بعد نحو خمسين مترا. بقيت لحظة ويداي مغروستان في المقود أتنفس بعمق وأشعر بالارتجاف في أصابعي. على الطريق يتعلم المرء باكرا أن التجاهل هو أيضا اختيار. كان بإمكاني أن أتابع السير أشغل المذياع أسرع أصل إلى وجهتي وأقنع نفسي بأن الأمر لا يعنيني. لن يحاسبني أحد. ولن يطالبني أحد بتفسير.
لكنني كنت سأعرف.
فكرت في زوجتي. في كيف مرضت سريعا وكيف كنت دائما بعيدا فلم ألاحظ العلامات. في اليوم الذي ساءت فيه حالتها وأنا على الطريق وبقيت ساعات وحدها حتى
وجدتها إحدى الجارات. في كيف وصلت متأخرا إلى المستشفى. وفي ذلك الذنب الذي يلتصق بك كغبار الطريق مهما غسلت يديك لا يزول.
أطفأت المحرك. صار الصمت هائلا. نزلت من الكابينة بساقين ثقيلتين وقلب يركض. نظرت إلي النسور كما ينظر إلى حيوان آخر بلا خوف فقط بتقدير. كان أحدها قد قرب منقاره من وجه الفتاة وآخر يشد الحذاء كأنه يختبر إن كان يستطيع أخذها.
التقطت حجرا ورميته بعيدا. صړخت
وضړبت الأرض بحذائي صنعت كل الضجيج الذي استطعت. تراجعت النسور ببطء من دون رغبة في الرحيل. حلق أحدها إلى غصن يابس وبقي الآخرون على مسافة ينتظرون.
جثوت إلى جانبها. كانت الأرض ساخنة والتصق التراب بركبتي. تحسست النبض في عنقها بيد مرتجفة. كان هناك ضعيفا بطيئا لكنه موجود. شعرت براحة جارفة وپغضب صاعد في الوقت نفسه.
حين أبعدت شعرها برفق رأيت الكدمات ورما داكنا على وجهها خدوشا شفاها جافة ومتشققة. وعلى بعد أمتار كان هاتف محمول بشاشته مکسورة يلمع تحت الشمس. بعيدا أكثر من اللازم ليكون حاډثا. وعلى كتف الطريق ظهرت آثار إطارات حديثة. وتمزق ملابسها لم يكن يبدو نتيجة سقوط عادي.
كان أحدهم قد فعل هذا.
وتركها هناك كأنها لا شيء معتمدا على الحر والعطش والنسور لإنهاء ما بدأه.
رفعتها بحذر. كانت خفيفة أكثر مما ينبغي كأن الحياة كانت تتسرب منها ببطء. حملتها إلى الشاحنة وجسدي ېحترق بالأدرينالين. وضعتها على مقعد الراكب وسندت رأسها بقميص قديم مطوي وأغلقت الباب. بقيت لحظة أنظر إليها أستمع إلى تنفسها الضعيف وفي تلك اللحظة أدركت أنني لم أعد مجرد سائق شاحنة عابر. لقد تورطت.
ولم أكن أدرك بعد كم سيكلفني ذلك القرار.
قدت باتجاه مدينة صغيرة أعرفها من خريطة حياتي على الطريق. لم يكن
فيها
مستشفى كبير
تم نسخ الرابط