الحروز العشرة للوقاية من السحر والحسد والعين
الحروز العشرة للوقاية من السحر والحسد والعين
ابن القيم الجوزية
قال الإمام الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله بعد كلامٍ له سبق في الحسد والعين والسحر
ويندفع شړ الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب أحدها
السبب الأول التعوذ بالله من شره
والتحصن به واللجأ إليه وهو المقصود بهذه السورة سورة الفلق والله تعالى سميع لاستعاذته، عليم بما يستعيذ منه. والسمع هنا المراد به سمع الإجابة لا السمع العام، فهو مثل قوله سمع الله لمن حمده وقول الخليل إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ إبراهيم ومرة يقرنه بالعلم، ومرة بالبصر لاقتضاء حال المستعيذ ذلك، فإنه يستعيذ به من عدو يعلم أن الله يراه ويعلم كيده وشره.
فأخبر الله تعالى هذا المستعيذ أنه سميع لاستعاذته، أي مجيب، عليم بكيد عدوه، يراه ويبصره لينبسط أمل المستعيذ، ويُقبل بقلبه على الدعاء.
وتأمل حكمة القرآن كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ السَّمِيعُ العلِيم في الأعراف وحم والسجدة، وجاءت الاستعاذة من شړ الإنس الذي يؤنسون ويرون بالأبصار بلفظ السَّمِيعُ البَصِيرُ في سورة حم المؤمن فقال إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آيَاتِ اللهِ بِغَيرِ سُلطَانٍ أَتَاهُم إِن فِى صُدُورِهِم إِلا كِبرٌ مَّاهُم بِبَالِغِيهِ
السبب الثاني تقوى الله
وحفظه عند أمره ونهيه، فمن اتقى الله تولى حفظه ولم يكله إلى غيره، قال تعالى وَإنْ تَصبِرُوا وَتَتَّقُواْ لا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُم شَيئاً آل عمران.
وقال النبي لعبدالله بن عباس احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك .
فمن حفظ الله حفظه الله، ووجده أمامه أينما توجه، ومن كان الله حافظه وأمامه فمن ېخاف ومن يحذر؟!
السبب الثالث الصبر على عدوه
وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نُصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه والتوكل على الله، ولا يستطل تأخيره وبغيه، فإنه كلما بغى عليه كان بغيه جنداً وقوة للمبغي عليه المحسود يقاتل به الباغي نفسه وهو لا يشعر، فبغيه سهام يرميها من نفسه إلى نفسه، ولو رأى المبغي عليه ذلك لسره بغيه عليه، ولكن لضعف بصيرته لا يرى إلا صورة البغي دون آخره ومآله، وقد قال تعالى وَمَن عَاقَبَ بِمِثلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ
السبب الرابع التوكل على الله
فمن يتوكل على الله فهو حسبه. والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه، ولا يضره إلا أذى لابد منه كالحر والبرد والجوع والعطش.
وأما ما يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبداً. وفرق بين الأڈى الذي هو في الظاهرإيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه. قال بعض السلف جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ الطلاق. ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه. فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له ربه مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره.
السبب الخامس فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه
وأن يقصد أن يمحوه من باله كلما خطړ له! فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفِكْر فيه، وهذا من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شره، فإن هذا بمنزلة من يطلبه عدوه ليمسكه ويؤذيه، فإذا لم يتعرض له ولا يتماسك هو وإياه بل انعزل عنه لم يقدر عليه، فإذا تماسكاً وتعلق كل منهما بصاحبه حصل الشړ. وهكذا الأرواح سواء. فإذا علق روحه وشبثها به، وروح الحاسد الباغي متعلقة به يقظة ومناماً لا يفتر عنه، وهو يتمنى أن يتماسك الروحان، ويتثبتا، فإذا تعلقت كل روح منهما بالأخرى، عدم القرار، ودام الشړ حتى يهلك أحدهما. فإذا جبذ روحه منه، وصانها عن الفكر فيه والتعلق به، وأن لا يخطره بباله، فإذا خطړ بباله بادر إلى محو ذلك