ما حكم استخدام العطور وشمِّ رائحتها في رمضان؟
ما حكم استخدام العطور وشمِّ رائحتها في رمضان؟
يحرص المسلم في شهر رمضان على صيانة صومه من كل ما قد يؤثر عليه، فيسأل عن أحكام كثيرة تتعلق بالمفطرات وما قد يخلّ بكمال الأجر. ومن المسائل التي تتكرر كل عام: ما حكم استعمال العطور في نهار رمضان؟ وهل شمُّ الروائح العطرية يؤثر على صحة الصيام؟ وهل يختلف الحكم بين الرجال والنساء؟
هذا الموضوع يحتاج إلى بيانٍ هادئٍ مبنيٍّ على القواعد الشرعية، مع التفريق بين ما يُفطر الصائم وما لا يُفطره، وبين ما هو جائزٍ في الأصل وما قد يَعرِض له حكمٌ آخر بحسب الحال.
أولًا: القاعدة العامة في مفطرات الصيام
الأصل أن الصوم يبطل بدخول شيءٍ إلى الجوف من منفذٍ مفتوحٍ معتاد، كالأكل أو الشرب أو ما في معناهما، مع العمد والاختيار.
أما ما لا يصل إلى الجوف، أو لا يُقصد به التغذية، أو لا يتحقق فيه معنى الأكل والشرب، فإنه لا يُفطر في
ومن هنا نفهم أن الروائح – ومنها العطور – ليست أعيانًا مادية تدخل إلى المعدة وتُغذي البدن، وإنما هي روائح تتطاير في الهواء، يشمها الإنسان دون أن تكون طعامًا أو شرابًا.
ثانيًا: حكم استعمال العطر في نهار رمضان
اتفق جمهور أهل العلم على أن استعمال العطر في نهار رمضان لا يُفطر الصائم، سواء وضعه على بدنه أو ملابسه.
فالعطر ليس طعامًا ولا شرابًا، ولا في معناهما، ولا يُقصد به التقوّي أو التغذي، وإنما هو من قبيل الروائح الطيبة التي يشمها الإنسان.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الطيب، وكان الصحابة يستعملونه، ولم يرد نص يمنع الصائم من ذلك.
وعليه، فالأصل في استعمال العطر الإباحة، ولا يؤثر على صحة الصوم.
ثالثًا: حكم شمِّ العطر
شمُّ العطر – سواء كان من شخصٍ آخر أو من قارورة – لا يُفطر أيضًا، لأن الرائحة ليست جسمًا له جرم يدخل إلى الجوف فيتحقق
لكن ينبغي التفريق بين نوعين:
الروائح المعتادة: كالعطر، والزهور، وروائح الطعام، فهذه لا تُفطر.
الأبخرة الكثيفة المتعمدة: كاستنشاق البخور عمدًا بكثافةٍ بحيث يصل الدخان إلى الحلق، فبعض أهل العلم كرهوا تعمّد ذلك، لأن الدخان له أجزاء محسوسة قد تدخل إلى الجوف.
ومع ذلك، فإن مجرد مرور الإنسان في مكان فيه بخور أو رائحة قوية لا يُفطره.
رابعًا: هل يختلف الحكم بين الرجل والمرأة؟
من حيث صحة الصوم، لا فرق بين الرجل والمرأة في حكم استعمال العطر، فكلاهما لا يُفطره استعمال الطيب.
لكن من جهة أخرى، هناك مسألة تتعلق بخروج المرأة متعطرة أمام الأجانب، فهذه لها حكم مستقل خارج مسألة الصيام، إذ يُطلب من المرأة إذا خرجت أن تتجنب ما يلفت الأنظار أو يثير الفتنة.
أما داخل البيت، أو أمام المحارم، أو بين النساء، فلا حرج في استعمال العطر.
إذن المسألة
خامسًا: الفرق بين العطر والسوائل التي تدخل الجوف
قد يلتبس الأمر على البعض، فيظن أن كل ما له رائحة أو يُستنشق قد يكون مفطرًا.
لكن الشريعة فرّقت بين:
الرائحة المجردة: وهي أثرٌ ينتشر في الهواء ولا يُعد طعامًا ولا شرابًا.
المواد السائلة أو الصلبة التي تدخل الجوف عمدًا.
فلو وضع الصائم عطرًا على يده، أو شمَّ زهرة، أو استنشق رائحة طيبة، فصومه صحيح.
أما لو أدخل شيئًا سائلًا أو مسحوقًا إلى أنفه بقصد وصوله إلى الجوف، فهنا يختلف الحكم.
سادسًا: ماذا عن بخاخات العطر القوية؟
العطور الحديثة غالبًا ما تكون على هيئة بخاخ (سبراي). وعند رشها قد يتطاير جزء يسير في الهواء.
الأصل أن رش العطر لا يُفطر، لأن المقصود منه وضعه على الجلد أو الملابس، لا إدخاله إلى الجوف.
لكن من باب الاحتياط، يُستحب عدم تعمّد استنشاقه بعمقٍ
فالاعتدال مطلوب، دون وسوسة أو تشدد.