ما معنى “فُطُور” في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾؟

لمحة نيوز

ما معنى “فُطُور” في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾؟

ترد هذه الآية الكريمة في سياقٍ بديعٍ من سورة الملك، حيث يدعو الله تعالى الإنسان إلى التأمل في خلق السماوات، والنظر المتكرر المتفحص، ليكتشف عظمة الصنع الإلهي وكمال النظام الكوني. يقول الله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾.

فما معنى كلمة “فُطُور” هنا؟ ولماذا اختيرت هذه اللفظة تحديدًا؟ وما الدلالات التي تحملها في السياق القرآني؟

هذا ما نتناوله في هذا الموضوع بالتفصيل.

أولًا: المعنى
اللغوي لكلمة “فُطُور”

كلمة “فُطُور” مأخوذة من الجذر اللغوي (ف ط ر)، وهو جذر واسع الدلالة في اللغة العربية، ومنه كلمات مثل: فطر، انفطر، فِطر، فُطور.

وفي المعاجم العربية، يُقال:

فَطَر الشيء: شقّه وصدعه.

والفُطور: الشقوق، والصدوع، والخلل.

إذن المعنى المباشر لـ“فُطُور” هو: تشققات أو تصدعات أو خلل ظاهر.

فالله تعالى يتحدى الإنسان أن ينظر في خلق السماوات، ثم يعيد النظر مرة بعد مرة، فهل يرى فيها أي شقوق أو عيوب أو تصدعات؟

ثانيًا: المعنى في سياق الآية

الآية جاءت بعد قوله تعالى:
﴿مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾.

أي لا ترى اختلافًا مضطربًا، ولا اضطرابًا

في النظام.
ثم أكّد هذا المعنى بقوله:
﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ أي أعد النظر مرة أخرى.
﴿هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ أي هل ترى أي خلل أو شق أو ضعف؟

فالمقصود أن الكون منظم بإحكام، متناسق في بنائه، لا اضطراب فيه ولا نقص.

ثالثًا: الفرق بين “تفاوت” و“فُطور”

في الآية نفسها وردت كلمتان مهمتان: “تفاوت” و“فُطور”.

التفاوت: الاختلاف غير المتناسق، أو الاضطراب في التقدير.

الفُطور: الشقوق أو التصدعات أو الخلل الظاهر.

فالله نفى أولًا وجود اضطراب عام في النظام، ثم نفى وجود أي خلل جزئي أو تصدع دقيق.

وهذا ترتيب بلاغي رائع:
نفيٌ للخلل الكلي، ثم نفيٌ للخلل الجزئي.

رابعًا: لماذا أمر الله بإرجاع
البصر؟

قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ فيه معنى التكرار.
أي لا تكتفِ بنظرة واحدة، بل أعد النظر، وتأمل، ودقّق.

وهذا أسلوب تحدٍّ، كأن المعنى:
انظر ما شئت، ودقق كما تشاء، فلن تجد خللًا.

ثم يأتي في الآية التالية:
﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾
أي مرة بعد مرة.

فالمقصود تدريب العقل على التأمل، وإيقاظ حس التفكر.

خامسًا: البعد العقدي في الآية

هذه الآية تؤسس لمبدأ مهم في العقيدة:
كمال قدرة الله تعالى، وكمال حكمته.

فالكون لم يُخلق عبثًا، ولم يُترك فوضى، بل خُلق بنظام محكم دقيق.

انتظام حركة الكواكب، توازن الجاذبية، دقة المسافات، تناسق العناصر…
كل ذلك يدل على أن الخالق

حكيم عليم.

ونفي “الفُطور” يعني نفي العجز أو الخطأ أو الإهمال.

تم نسخ الرابط