اختفوا في مخيم صيفي عام 1983… وبعد 41 سنة كشف الحريق السر المدفون تحت الأرض!

لمحة نيوز

في صيف عام 1983 كانت بلدة صغيرة تحيط بها غابات كثيفة مسرحا لإحدى أكثر حوادث الاختفاء غموضا وإيلاما في التاريخ الحديث. سبعة أطفال كانوا يستمتعون بمخيم صيفي يعج بالضحكات والألعاب تلاشى أثرهم في ليلة واحدة من دون أن يتركوا خلفهم أي دليل. لأكثر من أربعة عقود ظل الملف راكدا مدفونا تحت طبقات من النظريات المتداولة والنسيان النسبي لدى من لم يعيشوا المأساة عن قرب. غير أن للطبيعة طرائقها الخاصة في كشف الحقيقة. فبعد واحد وأربعين عاما اجتاح حريق غابي هائل المنطقة وجرد الأرض من غطائها النباتي فكشف ما كانت الغابة تخفيه بعناية طوال ما يقارب نصف قرن. وما عثرت عليه فرق الإنقاذ بعد إخماد النيران لم يغير مسار التحقيق فحسب بل زلزل أركان مجتمع بأكمله.
ولفهم حجم ما حدث لا بد من العودة إلى ذلك تموز الحار من عام 1983. كان مخيم الصنوبر الهماس الوجهة المفضلة لعائلات البلدة. هناك كان الأطفال يتعلمون الصيد والاستدلال بالنجوم وتبادل الحكايات حول ڼار المخيم. لم يكن ثمة ما ينبئ بأن مجموعة الأصدقاء السبعة الذين تقاسموا إحدى الأكواخ القريبة من أطراف الغابة لن يعودوا إلى منازلهم. في صباح يوم الاختفاء وجد المشرف المسؤول الكوخ خاليا. لم تكن هناك آثار عراك ولا ملابس مبعثرة ولا بصمات أقدام تشير

إلى هروب مفاجئ. ببساطة كان الأطفال السبعة قد غادروا بصمت نحو عتمة الأشجار.
جاءت حملة البحث الأولى واسعة النطاق. شاركت مروحيات وفرق كلاب مدربة على التتبع ومئات المتطوعين الذين مشطوا كل متر مربع من الغابة لأشهر طويلة. درست الشرطة جميع الفرضيات من احتمال اختطاف جماعي إلى احتمال أن يكون الأطفال قد ضلوا الطريق وسقطوا في إحدى الكهوف العديدة غير المستكشفة في المنطقة. غير أن الأسابيع تحولت إلى أعوام والأعوام إلى عقود. عاشت عائلات المفقودين في حالة انتظار لا تحتمل بين حزن بلا جثمان وأمل يذبل مع كل ذكرى سنوية. نمت الغابة من جديد وتراكمت الأوراق على الدروب وتحولت قضية السبعة لعام 1983 إلى أسطورة حضرية حكاية مخيفة يرويها الآباء لأبنائهم كي لا يبتعدوا كثيرا عن المنزل.
تدخل القدر في صيف عام 2024. فقد تسبب جفاف شديد مقرون بعاصفة رعدية في اندلاع حريق كارثي امتد على آلاف الهكتارات بما في ذلك الأرض التي كان المخيم قائما عليها يوما ما. وعندما دخل رجال الإطفاء وفرق الجيولوجيين إلى المنطقة المتضررة لتقييم الأضرار ومنع الانهيارات الأرضية لاحظوا أمرا غير مألوف. فقد كشفت التعرية الناتجة عن الحريق وفقدان الطبقة النباتية فتحة في الأرض لم تكن معروفة من قبل. لم تكن كهفا طبيعيا بل بنية
تحت أرضية جرى تمويهها بعناية بالتراب والنباتات قبل عقود.

وعندما نزل المحققون إلى أعماق ذلك الملجأ الخفي وجدوا ما يشبه كبسولة زمن باعثة

على الرهبة. كان المكان مجهزا بمؤن تعود إلى أوائل ثمانينيات القرن الماضي علب طعام محفوظة صدئة ومصابيح يدوية معدنية وبطانيات صوفية. لكن الأشد وقعا كان المتعلقات الشخصية التي أكدت هوية من كانوا هناك. فقد وجدت الحقائب المدرسية والألعاب وقطع الملابس الصغيرة التي كان الأطفال السبعة يرتدونها ليلة اختفائهم. وأشارت هيئة المكان إلى أن أحدا ما قد اقتادهم إليه لغرض محدد وأبقاهم مخفيين عن العالم الخارجي داخل ما بدا ملجأ بدائيا تحت الأرض.
أعاد هذا الاكتشاف فتح الملف الشرطي على الفور. لم يعد السؤال عما حدث لهم بل عمن ساقهم إلى هناك ولماذا لم يعثر عليهم طوال واحد وأربعين عاما. تحولت القضية من ذكرى مؤلمة في أرشيف قديم إلى تحقيق حي نابض تحيط به كاميرات الصحافة وفضول الرأي العام ويعاد فيه استدعاء كل شاهد وكل اسم ورد يوما في دفاتر المخيم.
تركزت التحقيقات الراهنة على العاملين في المخيم آنذاك وعلى كل من كانت له صلة بالموقع خلال الأشهر التي سبقت الاختفاء. أعيدت مراجعة سجلات التوظيف وأخرجت ملفات صفراء من خزائن مهملة وأعيد فحص استجوابات مضى عليها

أكثر من أربعة عقود. في تلك الأوراق القديمة برز اسم موظف صيانة سابق رجل انعزالي عرف بمهاراته اليدوية وقدرته على تنفيذ أعمال ترميم معقدة دون مساعدة. كان يمتلك معرفة متقدمة بالبناء تحت الأرض وقد سبق له العمل في مشاريع تخزين وملاجئ ريفية. اختفى ذلك الرجل بعد وقت قصير من تعليق عمليات البحث الرسمية عام 1984 ولم يعثر له على أثر منذ ذلك الحين.
ومع تعمق التحقيق بدأت خيوط دقيقة بالظهور. فواتير شراء مواد بناء تعود إلى مطلع الثمانينيات أدوات حفر خاصة ومخططات يدوية غير مكتملة وجدت ضمن ممتلكاته السابقة. كل شيء كان يوحي بتخطيط هادئ وطويل الأمد. ويرجح الخبراء اليوم أن الجاني قد أبقى الأطفال أحياء لبعض الوقت داخل ذلك الملجأ قبل أن تؤدي مأساة داخلية أو تدهور في الإمدادات أو حتى ۏفاة الجاني نفسه إلى طي صفحة المكان إلى الأبد تحت طبقات من التراب والنسيان.
ولم يقتصر الاكتشاف على المتعلقات المادية وحدها بل ظهرت أدلة أخرى أكثر إيلاما أعادت صياغة فهم ما حدث في تلك الأعماق المعتمة. أثناء تمشيط الموقع بدقة عثر على جهاز تسجيل قديم متآكل محفوظ داخل صندوق معدني محكم الإغلاق نسبيا. كانت الأشرطة بداخله متضررة جزئيا إلا أن المختبرات الجنائية المتخصصة نجحت بعد أسابيع من العمل المتواصل في
استخراج أجزاء من محتواها.

تم نسخ الرابط