قال لها ستطلبين المال مني… لكنه نسي من كانت تعرف كل أسراره

لمحة نيوز

يكن فراغا
بل امتلاء مفاجئا
كأن الضجيج الذي عشت فيه سنوات قد انسحب دفعة واحدة
وترك خلفه مساحة أستطيع أخيرا أن أتنفس فيها.
لم أعد إلى ذلك المنزل أبدا.
لم أشعر بالحاجة إلى الوقوف عند الباب
ولا إلى إلقاء نظرة أخيرة على الجدران
ولا إلى لمس الأشياء التي قيل يوما إنها ذكريات.
لم أحتج إلى جمع أغراضي
ولا إلى إغلاق الأدراج
ولا إلى فرز ما هو لي وما هو له.
لأنني في الحقيقة
كنت قد غادرت المكان نفسيا قبل أن أغادره جسديا بوقت طويل.
غادرته في تلك اللحظات الصغيرة التي تجاهلت فيها إحساسي.
وفي تلك المرات التي أقنعت فيها نفسي أن الصمت حكمة.
وفي كل مرة ظننت فيها أن الاحتمال فضيلة.
عندما
خرجت
لم يكن خروجي هروبا
بل عودة.
انتقلت إلى شقة متواضعة تطل على النهر
لا تطل على تاريخ ثقيل
ولا على صورة يجب الحفاظ عليها
بل على ماء يتحرك
يتغير
ولا يعتذر عن كونه في طريقه دائما إلى الأمام.
كانت قريبة من عملي
قريبة بما يكفي لأن لا أهدر طاقتي في الطريق
وبعيدة بما يكفي عن كل ما استنزفني.
هادئة إلى حد أن أسمع أفكاري للمرة الأولى دون أن تقاطع.
وبسيطة إلى حد أنني لم أحتج إلى تبرير وجودي فيها
ولا إلى شرح اختياراتي لأحد.
لا أصوات زائفة تملي علي كيف أكون.
لا مراقبة تقنع نفسها بالاهتمام.
لا إذن يطلب كي أعيش يومي كما أريده.
خلال أشهر قليلة
بدأت
حياة جوناثان المهنية تتفكك.
ليس
دفعة واحدة
فالأشياء التي بنيت على افتراضات لا تنهار بانفجار
بل تتآكل ببطء
كما يتآكل الجدار حين يكون أساسه هشا.
عقد بعد عقد يضيع.
عميل بعد عميل ينسحب.
وعد بعد وعد يتبين أنه لم يكن إلا رقما بلا دعم
توقعا بلا احتياط
ثقة بلا ضمان.
لم أتابع التفاصيل.
لم أحتج إلى معرفة كل سقوط.
فبعض الانهيارات لا تحتاج إلى مشاهدة كي تصدق.
أما إيلين
فانطفأ صوتها كما تنطفئ الأضواء حين يغلق المبنى.
لا مكالمات متأخرة.
لا نصائح مغلفة بالقلق.
ولا ابتسامات مدربة تحاول إعادة ترتيب الواقع.
الصمت وحده بقي.
وصمتها هذه المرة لم يكن تكتيكا
بل نهاية.
أما أنا
فاحتفظت بمهنتي
لا لأنها كانت
مصدر دخلي فقط
بل
لأنها كانت المساحة الوحيدة التي لم أضطر فيها يوما إلى تقليص نفسي.
كانت الدليل الواضح على من أكون خارج أي علاقة
وخارج أي تعريف فرض علي.
واحتفظت بسلامي.
ذلك السلام الذي لا يأتي من الانتصار على أحد
ولا من رؤية الآخر يسقط
بل من الاستقامة مع النفس
من أن تنظر في المرآة ولا تضطر إلى خفض عينيك.
وفي إحدى الأمسيات
وأنا أجلس قرب نافذتي
أراقب انعكاس الأضواء المرتعشة على سطح النهر
أدركت حقيقة بسيطة
لم أحتج إلى دراستها في أي جامعة
ولم أقرأها في أي كتاب
ولم يعلمني إياها أحد
أن السلطة لا تكون صاخبة إلا حين تخاف.
وأن من يحتاج إلى كسر الآخرين ليشعر بالقوة
لم يكن قويا يوما.
وأن الكرامة
متى
استعيدت
لا
تحتاج إلى إذن كي توجد
ولا إلى شاهد
ولا إلى تصفيق.
هي فقط
تكون.

تم نسخ الرابط