مليونير رجع بعد 9 سنين لمراته السابقة… ولما فتح الباب اتجمّد من اللي شافه
أن تعلم. ثم وجدت دونيا سوكورو أتذكرها الخادمة التي عملت في بيتك. أخبرتني عن هذا البيت بيت جدتي. كان لا يزال باسمي. جمعت المال لعامين كي أستطيع ثمن الرحلة. جئت فوجدته خرابا بلا كهرباء بلا ماء لكنه كان لي. المكان الوحيد الذي لم تستطع أن تسلبني إياه.
شعر روبرتو أن الباقة صارت أثقل من ذنب.
قال ولماذا لماذا لم تفكري يوما أن تبحثي عني
أطلقت مارلين ضحكة مرة.
قالت أبحث عنك لقد غيرت رقم هاتفك وعنوانك وغادرت البلاد فترة. وحتى لو لم تفعل فلم أنت أوضحت أنك لا تريد رؤيتي. أنت من أغلق ذلك الباب.
خفض روبرتو رأسه. قفزت إلى ذهنه ذكرى آخر شجار هو يصرخ بأنها عبء زينة جسد زائد لا فائدة منه. تذكر الإذلال أمام الموظفين وتغيير الأقفال والمحامين. اضطربت معدته.
قال أخيرا معترفا جئت لأن الشركة شركتنا تسقط. على حافة الإفلاس. ولا أفهم كيف حدث هذا.
أمالت مارلين رأسها.
قالت وما شأني أنا
قال أنت كنت العقل خلف أفضل المشاريع. من دونك كنت أراكم المال فحسب. والآن لا أملك حتى ذلك.
نهضت مارلين وأخذت الزهور من يده. شعر روبرتو بخيط أمل حتى ألقتها على الأرض.
قالت بهدوء تعلمت شيئا هنا يا روبرتو. الزهور لا تملأ المعدة. والكلمات الجميلة لا تسدد الفواتير. والوعود لا تشفي الجراح.
ابتلع ريقه.
قال إذن لن تساعديني
قالت لم أقل ذلك. قلت إن هذا لا يثير إعجابي. لكن ربما نستطيع أن نتحدث في أمر العمل. بشروط.
رفع روبرتو بصره كمن يرى الماء في صحراء.
قال أي شروط.
قالت كل شيء كتابة. كل شيء واضحا. أريد أن أرى الأرقام والعقود وكل شيء. وافهم أمرا لن أفعل ذلك لأجلك. سأفعله من أجل العائلات التي تعتمد على تلك الشركة.
أومأ روبرتو. وعلى مدى ساعات شرح الأزمة عقود ضاعت منافس دولي يتقدم عليهم بمعلومات داخلية مستثمرون يفرون موظفون يائسون. كانت مارلين تستمع دون مقاطعة وتدون الملاحظات بجدية يتذكرها غير أن نظرتها صارت أشد حدة الآن.
قالت أخيرا لطالما شككت في هنريك.
قال روبرتو هنريك نائب رئيسي
قالت لم يحتمل نفوذي يوما. لكن حتى لو وجدت الخائن فهذا لا ينقذك. ما يقتلك شيء آخر توقفت عن الابتكار. صرت محافظا. شركتك عاشت على الماضي.
شعر روبرتو بوخزة
ذهبت مارلين إلى خزانة وأخرجت صندوقا خشبيا قديما وفتحته كما يفتح سر.
قالت حين طردتني أخذت معي وثائق.
توتر روبرتو.
قال أي وثائق
قالت مشاريع عملنا عليها معا. تلك التي تركتها حين انشغلت بالربح السريع. ثم سحبت ملفا أصفر قديما مليئا بالمخططات والحسابات. وقالت أتذكر اقتراحي للاستدامة ضحكت.
قلت إنني حالمة.
نظر روبرتو إلى الأوراق. تعرف على خطه في الهوامش. وسقط قلبه حين فهم كانت هناك خطة كاملة لتحويل الشركة إلى مرجع في التكنولوجيا المستدامة.
همس هذا عبقري.
قالت كان عبقريا قبل عشر سنوات. اليوم صار سباقا يائسا للحاق بما فوتناه. لكنه قد ينجح إن قبلت أن تغير فلسفتك. إن قبلت أن المال ليس كل شيء.
نظر روبرتو إلى البيت البسيط وإلى التقشف الذي لا يستأذن كي يوجد. ولأول مرة فهم شيئا لم يسمح لنفسه به يوما الرفاهية قد تكون قفصا.
ومع مرور الأيام استأجر روبرتو بيتا قريبا وبدأ يذهب ويجيء. عملا جنبا إلى جنب بإيقاع غريب صباحا أرقاما وخططا واستراتيجية ومساء ناسا. لأن مارلين لم تكن تتحدث عن المشاريع وحدها. كانت تتحدث عن أطفال بلا مدارس وعن مسنين بلا طبيب وعن عائلات بلا ماء. كان روبرتو في البداية يصغي كمن يسمع أخبارا بعيدة حتى رآها بعينيه.
وفي إحدى الأمسيات ظهرت دونيا فرانسيسكا عجوز بابتسامة دافئة ولسان لاذع. نظرت إلى روبرتو من رأسه حتى قدميه.
قالت إذن أنت الذي رميت مارليننا ككلب هرم
شعر روبرتو بالضربة بلا دفاع.
قال سيدتي أنا
قالت لا. اسمع. وأشارت بإصبعها لقد وصلت إلى هنا محطمة. جائعة. خجلة. ومع ذلك لم تتكلم عنك بسوء قط. أتفهم ذلك أنت اخترت الانتقام. وهي اختارت
أن تنجو وأن تساعد غيرها.
نظر روبرتو إلى مارلين بدهشة.
قال أهذا صحيح
خفضت عينيها.
قالت لم أرد أن تعرف حياتي بالكراهية لك.
وختمت دونيا فرانسيسكا بجملة انغرست في روبرتو كالمسمار هناك أناس لا يقدرون الأشخاص إلا حين يحتاجون إليهم.
تلك الليلة لم ينم روبرتو. ولأول مرة منذ سنوات كشف له الصمت وحدته. وفي اليوم التالي فعل شيئا كان سيعده سابقا إضاعة للوقت ساعد في إصلاح سقف وحمل الماء مع سيد أنطونيو واشترى أدوات مدرسية للأطفال
وعندما اكتشفت مارلين في البداية أن التسريب جاء من باتريسيا سكرتيرة تعرضت للابتزاز بسبب علاج باهظ لابنها شعر روبرتو بالخجل وهو يدرك كم كان يجهل حياة موظفيه.
قالت مارلين بلا قسوة بل بحقيقة صافية بالنسبة إليك كانوا أرقاما.
تحدث روبرتو مع باتريسيا وعرض عليها المساعدة بلا شروط. بكت. ونجحت خطة التضليل بدأ المنافس يتعثر بينما شرعوا هم في تنفيذ مشروع الاستدامة مستعينين حتى بمتخصصين من المنطقة أناس أكفاء لم تتح لهم فرصة من قبل.
بدأت الشركة تلتقط أنفاسها من جديد. وروبرتو كذلك.
لكن التغيير لم يكن طريقا مستقيما. ففي يوم ما ظهر هنريك ومعه أدلة لم تكن
باتريسيا ضحية. كانت قد باعت المعلومات طمعا. وكانت
تخطط لضربة أخيرة سرقة المشروع كله وتسليمه للمنافس.
شعر روبرتو بالبرد نفسه الذي أحسه مع الرسالة الأولى. مرة أخرى على حافة الهاوية.
قالت مارلين وهي تنظر في عينيه الطيبة ليست سذاجة. يمكنك أن تساعد دون أن تسمح لهم بتدميرك.
تلك الليلة أعادا ضبط الخطة بدلا الملفات بأخطاء دقيقة أفخاخ تقنية لا يكتشفها الخبير إلا متأخرا. سلمت باتريسيا المواد المزورة وتسلمت المال وبعد أسابيع انهار المنافس في كذبته. ظهرت الحقيقة. ولم تنقذ الشركة فحسب بل ازدادت قوة واكتسبت سمعة علامة أخلاقية.
وفي خضم تلك العاصفة جاءت محادثة لن ينساها روبرتو ما دام حيا. في ليلة تحت سماء مليئة بالنجوم بدت أوسع من أي ناطحة سحاب تكلمت مارلين بصوت منخفض كأن الأرض تصغي.
قالت حين طردتني اكتشفت أنني كنت حاملا.
شعر روبرتو كأن العالم انكسر في داخله.
قال ماذا
قالت فقدته بعد ثلاثة أسابيع.
توتر. جوع. وحدة.
بكى روبرتو كما لم يبك قط. لا دموع هزيمة تجارية بل دموع إنسانية متأخرة.
قال سامحيني سامحيني على كل شيء.
أمسكت مارلين وجهه بكلتا يديها.
قالت إذا ظللت عالقا في الماضي فلن تستطيع أن تكون أفضل الآن. أنا لا أسامحك دفعة واحدة. أنا أحاول كل يوم. لأن التسامح أيضا إنقاذ للنفس.
ومنذ ذلك الحين لم تتغير كلمات روبرتو بقدر ما تغيرت أفعاله. رفض عرضا بملايين
قال للمرة الأولى لدي شيء أثمن من المال معنى.
ابتسمت مارلين ابتسامة حقيقية كالفجر.
اتفقا على ستة أشهر. لا كزوجين. بل كشريكين وصديقين. باع روبرتو قصره وانتقل قريبا وتعلم أن يطبخ وأن ينتظر المطر وأن يقبل أن الحياة لا تقاس دائما بالسرعة. وبالإيرادات الجديدة دفعت مارلين حلم إنشاء مركز للتعليم والصحة للمجتمع قاعات
دراسية مكتبة عيادة وصيدلية أساسية. عمل الناس معا كما لو أنهم يبنون شيئا أكثر من جدران.
وفي ليلة ما قبل انتهاء الأشهر الستة أقيم احتفال بسيط. لا أضواء فخمة ولا موسيقى صالات. فقط ضحكات وطعام مشترك وأطفال يركضون وكبار يبتسمون بفخر وهم ينظرون إلى ما كان يوما غبارا.
قالت مارلين بجدية لينة غدا نقرر. لا تبالغ في التعلق بالأمل.
قال روبرتو لن أبالغ. سأمتن هذا ما تعلمته منك.
عند الفجر جلسا في الفناء نفسه الذي وصل إليه روبرتو يوما يائسا يحمل زهورا لا تنفع وكبرياء مكسورا. تنفس روبرتو بعمق.
قال إن قلت لا سأتألم. لكنني سأبقى. هذا العمل لم يعد يحتاجك وحدك ليكون له معنى. أنا أيضا وجدت شيئا هنا.
حدقت فيه مارلين طويلا كأنها تفحص واحدة واحدة كل نسخ الرجل الذي كانه.
قالت أخيرا جوابي نعم. نعم لأن نحاول بصدق. لكن كمتساويين. بلا أقفاص. بلا ازدراء. بلا
عودة إلى الأخطاء نفسها.
لم يرد روبرتو بوعود عظيمة. فقط أمسك يدها وضغط عليها باحترام لم يكن يعرفه من قبل.
وبعد سنوات حين تزوجا من جديد في المركز المجتمعي نفسه لم تكن هناك مظاهر فخامة لكن كان هناك شيء افتقدته زيجتهما الأولى السكينة. فهم روبرتو أخيرا أن الثروة ليست ما يخزن في الحسابات المصرفية بل ما يبنيه بيديه وضميره. وفهمت مارلين التي أعادت بناء حياتها من الخراب أن الحب لا يعود دائما كما كان أحيانا يعود شيئا أكثر نضجا وأكثر تواضعا وأكثر صدقا.
وحين كانا يسيران ليلا في الطريق الترابي يشاهدان العائلات تدخل وتخرج من المركز همس روبرتو
قلت على وشك أن أفقد كل شيء لأتعلم ما كان مهما.
فشدت مارلين على يده وقالت أحيانا الحياة تنزع منك ما يزيد كي ترى ما ينقصك.
تحت نجوم السرتاو حيث الصمت
أفضل من ذلك كانت حقيقية.