ورثتُ أشجارًا ميتة فسخروا مني… وبعد شهورٍ قليلة تحوّلت إلى المعجزة التي غيّرت مصير العائلة كلها

لمحة نيوز

سنوات في تلك الأرض الحجرية ونالت الأشجار أول شربة عميقة.
قال سباستيان الآن يأتي الأصعب تقليم الإنقاذ. سنقطع الأجزاء الميتة ليتركز النسغ في الأجزاء الحية.
كان العمل موجعا. كل غصن يقطع بدا جنازة صغيرة. لكن إلينا فهمت أحيانا كي تنمو لا بد أن تفقد جزءا منك.
ذات مساء وهما يعملان على شجرة برقوق متضررة لمح سباستيان برعما أخضر صغيرا عند قاعدة إحدى أشجار التفاح.
سألها بابتسامة غامضة أتعرفين ما هذا
اقتربت إلينا ببطء كأنها لا تريد أن تفسد المعجزة فرخ برعم جديد.
قال الشيخ بحماس هذا جواب صلاتنا. هذه الشجرة تستخدم آخر طاقتها لتخرج نسلا جديدا. إنها طريقتها في البقاء.
جثت إلينا عند البرعم. كان بالكاد مرئيا وعدا أخضر صغيرا يخرج من الأرض.
قالت يمكننا أن نستفيد منه.
أجاب سباستيان بل يمكننا أن نفعل أكثر. تذكرين كتاب التطعيم الذي أعطتك إياه لوسيا هنا يبدأ دوره.
في الأيام التالية علمها فن التطعيم العتيق كيف تأخذ أقلاما من الأشجار الأقوى وكيف تعد البراعم لتغرسها في جذوع ضعيفة وكيف تحمي مواضع الوصل بالطين واللفافات.
قال وهو يعمل ما نفعله أشبه بنقل دم. نأخذ القوة من جزء ونمنحها لآخر يحتاجها كما ينبغي أن تفعل العائلة.
تمتمت إلينا وهي تتذكر إخوتها نعم كما ينبغي.
نظر إليها سباستيان بتفهم في الطبيعة كل شيء متصل. أشجار الغابة تتواصل عبر الجذور وتساعد بعضها. البشر وحدهم نسوا هذا الدرس.
وفي مساء كانت إلينا عائدة إلى البيت بعد يوم قاس صادفت خافيير في ساحة القرية. كان يبدو قلقا.
قال دون تحية سمعت أنك تعملين في تلك الأرض التافهة.
أجابت بهدوء نعم.
قال بحدة تضيعين وقتك يا إلينا. بيعيني تلك الأرض أعطيك ثمنا عادلا.
حدقت فيه مستغربة ولماذا تشتري عصيا يابسة
حرك عينيه بعيدا فكرت ربما أوسع الزيتون.
قالت ببساطة ليست للبيع.
أصر بنبرة تتأرجح بين التوسل والأمر كوني عاقلة. لا تفهمين في الزراعة ستخسرين كل شيء.
ابتسمت إلينا بثبات قد لا أفهم كثيرا لكنني أتعلم. وقد اكتشفت شيئا مهما هناك.
سأل خافيير بقلق ظاهر ماذا
قالت كلمة واحدة الماء. بئر قديم فيه ماء غزير. شيء ستحتاج إليه قريبا حين يشتد الجفاف.
شحب وجه خافيير كيف تعرفين أن الجفاف سيشتد
قالت أقرأ التقارير المناخية في المكتبة. هذا الصيف سيكون الأكثر جفافا منذ عقود.
وهي تبتعد شعرت إلينا بإحساس غريب بالقوة. لم تكن تريد انتقاما بل عدلا. ولأول مرة فهمت أنها تملك
شيئا ذا قيمة.
في تلك الليلة وبينما تراجع حساباتها على طاولة المطبخ الصغيرة اتخذت قرارا جريئا ستنفق نصف مدخراتها لشراء مواد تحسن نظام الري وأدوات جديدة. كان خطرا كبيرا لكن حدسها قال إن الوقت وقت رهان.
في اليوم التالي ذهبت
إلى محل الأدوات وابتاعت أنابيب ومضخة ماء مستعملة وبعض العدد. نظر صاحب المحل دون مانويل إليها باستغراب كل هذا لبستان المرتفع
قالت بلا تردد نعم.
علق الرجل وهو يحسب الحساب كان أبوك يقول إن تلك الأرض لا تصلح إلا للماعز.
ابتسمت إلينا أبي لم يكتشف البئر.
رفع دون مانويل حاجبيه وجدت ماء هناك
قالت بثقة يكفي ليحول العصي اليابسة إلى فردوس.
هز الرجل رأسه مفكرا أعطيك خصما على الأنابيب. وإذا احتجت من يساعدك في تركيب المضخة فابني مارتين يمكنه ذلك. درس الهندسة الزراعية في مدريد لكنه يعمل معي الآن.
وهكذا دخل مارتين هيريرا حياة إلينا شاب في الثلاثين عاد إلى القرية لمساندة أبيه بعد الأزمة الاقتصادية.
في اليوم التالي جاء إلى الأرض بصندوق أدوات وابتسامة لطيفة. قال أبي أخبرني بمشروعك. أعجب بشجاعتك.
احمر وجه إلينا قليلا ليست شجاعة إنها عناد.
ضحك أحيانا هما الشيء نفسه. ثم نظر إلى ما أنجز مذهل ما فعلته في وقت قصير.
بمساعدة مارتين اكتمل نظام الري خلال أسبوع. مضخة صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية تسحب الماء من البئر وتوزعه عبر الأنابيب إلى كل شجرة. كان سباستيان يراقب بفخر أبوي.
قال الشيخ بعد انتهاء التركيب الآن يأتي الأصعب الانتظار. الأشجار تحتاج وقتا لتستيقظ.
وكان محقا. كانت الأسابيع التالية درسا في الصبر. بعض الأشجار أظهر بوادر مشجعة براعم صغيرة عقد خجول. وأخرى بقيت في سباتها بعناد. لكن التطعيمات بدأت تظهر نتائج واعدة مواضع الوصل التأمت والحياة الجديدة بدأت تجري فيها.
في صباح جاء سباستيان بصندوق خشبي وقال بنبرة غامضة فكرت كثيرا هذه الأشجار قوية لكنها تحتاج شيئا خاصا لتستيقظ تماما.
فتح الصندوق. كانت فيه أكياس صغيرة من بذور مكتوب عليها أسماء لم تسمعها إلينا قط.
قال هذه أصناف قديمة من الفاكهة بعضها شبه منقرض. كان جدي يجمعها. احتفظت بها سنوات طويلة بانتظار اللحظة المناسبة. وتلك اللحظة الآن وتلك اللحظة أنت.
تناولت إلينا البذور ويداها ترتجفان. كانت مسؤولية ضخمة وفرصة لا تقدر.
قالت بإخلاص سأرعاها كأنها كنز.
أجاب سباستيان هي كنز بالفعل. فيها تاريخ أرضنا أصناف زرعها الأجداد قرونا وتختفي اليوم بسبب الزراعة الصناعية.
في ذلك اليوم أعدا مشتلا صغيرا محميا للبذور. زرعت كل بذرة بخشوع كأنها وعد مقدس. وبدا أن الحياة تتسلل إلى المكان قنوات الري تتلوى بين الأشجار كعروق والجذوع
التي كانت رمادية أظهرت لمعات من لون تحت القشرة. وفي المشتل بدأت وعود خضراء دقيقة تخرج إلى عالم كاد ينساها.
سأل سباستيان ذات مساء وهما يتأملان العمل أتدرين ما أثمن ما تملكين هنا
قالت إلينا الماء
هز الشيخ رأسه الجذور. وأشار بعصاه إلى الأرض. هذه الأشجار تملك
جذورا عميقة. صمدت لأنها رفضت الاستسلام لأنها استمرت تبحث عن الماء في أعماق الأرض مثلك. لديك جذور عميقة.
تلك الليلة وهي عائدة تحت سماء مرصعة بالنجوم شعرت إلينا بصلتها القديمة بالأرض. لم يعد الأمر ميراثا مسموما فحسب بل فرصة خلاص لها وللبستان.
ثم جاء الصيف بموجة حر قاسية امتحنت كل كائن في المنطقة. كما توقعت إلينا بدأ الجفاف يضرب المحاصيل. ظهرت علامات العطش على زيتون خافيير وحتى حقول راؤول القريبة من النهر تألمت مع انخفاض منسوب الماء. وفي المقابل بدأ بستان إلينا يزدهر بفضل البئر ونظام الري الفعال. خرجت أغصان جديدة وظهرت أوراق خضراء نابضة تمنح ظلا للأرض التي كانت عارية.
في صباح من تموز وصلت إلينا لتجد سباستيان واقفا أمام إحدى أشجار التفاح وملامحه مدهوشة.
قال وهو يشير إلى نتوء أخضر صغير انظري أول ثمرة.
ركضت إلينا. كانت هناك بالفعل تفاحة صغيرة بحجم حبة زجاج لكنها كاملة التكوين. أول ثمرة في أكثر من عقد.
همست والدموع تملأ عينيها إنها جميلة.
سألت هل ستنضج
قال سباستيان بثقة نعم. هذه الشجرة من أوائل ما طعمناه. أخذت برعما من شجرتي من ذلك الصنف القديم الذي لم يعد يوجد.
لمست إلينا الثمرة بحذر. كانت برهانا على أن المستحيل يمكن أن يصير ممكنا بالإيمان والعمل. قررت حمايتها من الطيور والشمس فصنعا قفصا صغيرا من شبكة يترك الضوء ويدرأ شمس الظهيرة.
انتشر خبر الثمرة الأولى في القرية كالنار. جاء الناس يزورون البستان ليروا المعجزة. ومن بينهم لدهشة إلينا جاءت دونيا كارمن أم العمدة وإحدى أكثر نساء القرية نفوذا.
قالت وهي تتأمل الشجرة إذن ما يقولونه صحيح. فعلت ما لا يفعل.
أجابت إلينا بتواضع ما زال أمامنا الكثير.
حدقتها كارمن طويلا ثم قالت ابني ينظم معرض المنتجات المحلية في أيلول. ينبغي أن تشاركي.
ابتسمت إلينا بماذا لدي ثمرة واحدة بالكاد.
قالت كارمن بحكايتك. أحيانا لا يحتاج الناس منتجات بل يحتاجون أملا. وأنت صنعت الأمل من لا شيء.
بعد زيارة كارمن بدأ آخرون يأتون ليس بدافع الفضول فقط. بعضهم جاء بمعرفة وبعضهم بمساعدة. ذات يوم حضرت ماريا حفيدة العشابة القديمة ومعها زجاجة سائل أخضر.
قالت هذا سماد حيوي كانت جدتي تصنعه. يقوي الجذور ويطرد بعض الآفات. قد يساعد أشجارك.
تأثرت إلينا كثيرا. مشروعها الذي بدأ وحيدا صار يلمس المجتمع.
وأصبح مارتين يزور الأرض كثيرا. كان يأتي بحجج تقنية تفقد المضخة ضبط الري لكن إلينا كانت تعلم أن وراء ذلك شيئا آخر. كانت تراه في عينيه حين يتحدثان عن المستقبل وفي إصغائه لكل كلمة تقولها.
وفي عصر بينما كانت إلينا ترتب الشتلات التي خرجت من بذور سباستيان قال مارتين باقتراح غير متوقع فكرت هل يمكن أن
ننوع هذه الأرض البئر فيه ماء يكفي حتى للجفاف. هل فكرت بزراعة أصناف غير مألوفة
سألته مثل ماذا
قال بحماس ثمار استوائية تتأقلم مع المناخ المتوسطي. في الجامعة كانت رسالتي عن ذلك. هناك أصناف من المانجو والبابايا وحتى القشطة يمكن زراعتها هنا بتقنيات حماية.
نظرت إليه إلينا مفتونة. لم يخطر ببالها هذا قط.
قال بثقة مع المناخ الصغير هنا ووجود الماء نعم أظنها ممكنة. أستطيع أن أجلب بعض الأقلام. لدي صديق يعمل في مركز أبحاث زراعية في فالنسيا.
كان ذلك الحديث بداية مرحلة جديدة. لم يجلب مارتين الأقلام فحسب بل جلب معرفة تقنية تكاملت مع حكمة سباستيان التقليدية. صار الثلاثة فريقا غريبا لكنه فعال سباستيان بمعرفته الوراثية والتطعيمات وأصناف الأرض ومارتين بعلمه الأكاديمي ورؤيته الحديثة وإلينا بقلبها وعنادها وقدرتها على التعلم.
جهزوا جزءا للأصناف الجديدة وبنوا بيوتا بلاستيكية صغيرة من مواد معادة وصمموا ريا خاصا لكل نبات. وكانت إلينا تدرس ليلا كتبا توفرها لوسيا ومارتين.
منتصف آب كبرت التفاحة الأولى وصارت بحجم محترم. لم تكن مثالية بمقاييس التجارة بقع بسيطة وشكل غير منتظم لكنها كانت عند إلينا أجمل شيء رأته.
قال سباستيان بفخر قريبا سنقطفها. ستكون الأولى من كثير.
وبالفعل بدأت أشجار أخرى تعطي ثمارا صغيرة وإن لم تصل إلى حجم تلك التفاحة. كانت التطعيمات تنجح والأصناف القديمة تظهر مقاومة مدهشة.
لكن الجفاف ازداد ومعه زادت مصاعب الفلاحين. صادفت إلينا خافيير في الدكان وكان مرهقا.
سألته بلطف كيف حال الزيتون
أجاب بمرارة يجف ككل شيء.
قالت بصدق آسفة.
ضحك ضحكة مرة آسفة أنت وحدك من عندها ماء أليس كذلك مع ذلك البئر المعجزة.
قالت بهدوء البئر كان موجودا دائما. فقط كان يحتاج من يبحث عنه.
قال بسخرية شاعرية جميلة. بينما تلعبين دور المزارعة بأشجارك عائلات حقيقية تخسر رزقها.
آلمتها الكلمات لكنها لم تنفعل إذا احتجت ماء لإنقاذ بعض زيتونك يمكن أن نتحدث. لا أريد أن أرى أحدا ينهار حتى أنت.
نظر إليها خافيير مذهولا لا أحتاج صدقتك. ثم مضى.
لم تنم إلينا تلك الليلة. هل كانت أنانية أن تنعم بالماء بينما الآخرون يعانون لكن أليس هي من عملت ونبشت وأصلحت ما تركه والدها وفي صباح اليوم التالي بينما تسقي الشتلات سمعت
صوتا غريبا من ناحية البئر.
اقتربت فوجدت آثار عبث في الأنابيب وتلفا في جزء من أسلاك المضخة
الشمسية. جاء مارتين وفحص الضرر ثم قال بوجه متجهم هناك من حاول تخريب النظام. لحسن الحظ لم ينجح كثيرا.
سألت إلينا وهي تكاد تختنق من يفعل هذا لكنها في قلبها كانت تعرف.
قال سباستيان بصوت ثقيل شخص يائس. الجفاف يخرج أسوأ ما في الناس.
قرروا أن يتناوبوا
الحراسة سباستيان صباحا مارتين عصرا وإلينا نصبت خيمة وباتت بعض الليالي هناك.
وفي ليلة كانت إلينا تحرس
تم نسخ الرابط