مارتن بيستوريوس
مارتن بيستوريوس
تخيل أن تستيقظ يوما
تسمع الأصوات من حولك تشعر بمن يقترب تشم رائحة الغرفة وتدرك تماما أن هذا صوت أمك وهذا صوت الطبيب
لكنك لا تستطيع أن تفتح عينيك ولا أن تحرك إصبعك ولا حتى أن تهمس بكلمة واحدة
كأنك سجين في جسدك صرختك لا يسمعها أحد
هذا لم يكن كابوسا بل واقعا عاشه فتى يدعى مارتن بيستوريوس من جنوب أفريقيا
ولد عام 1975 وكان طفلا عاديا ذكيا يعشق الإلكترونيات والكومبيوتر يحلم ويضحك ويلعب
لكن عند بلوغه الثانية عشرة بدأ كل شيء يتغير
في البداية بدا عليه الإرهاق ثم صار يعاني من ضعف عام في جسمه
فقد القدرة على الكلام
ثم تراجع جسده بسرعة مخيفة حتى أصبح عاجزا بالكامل
الأطباء احتاروا رجحوا أنها عدوى نادرة في الدماغ مثل التهاب السحايا لكنهم لم يجدوا تفسيرا دقيقا
وفي غضون أشهر دخل مارتن في ما ظنه الجميع غيبوبة تامة
قالوا لأسرته إنه في حالة نباتية دائمة أي جسد حي بلا وعي
نقل
وما بدأ كشهر صار عاما فاثني عشر عاما
لكن ما لم يعرفه أحد أن مارتن عاد إلى وعيه بعد عامين فقط
كان يبلغ من العمر 14 عاما حين بدأ يفيق ببطء
وعي ضبابي في البداية ثم وضوح كامل
صار يسمع كل شيء يرى كل شيء يشعر بكل شيء
لكنه لا يستطيع التعبير بأي طريقة جسده خذله لكنه كان حيا بالكامل من الداخل
وصف حالته قائلا
كنت كمن يعيش داخل جسد ميت صرخت مرات بلا صوت رجوتهم أن يروني لكن لا أحد سمعني
في مرة سمع والدته تقول له وهي تبكي
أتمنى أن تموت سيكون ذلك أرحم من هذا العذاب
لم يكرهها لم يغضب فقط تألم
كتب في مذكراته
لم أحتج إلى تبرير كنت فقط بحاجة لحضن أمي
في عالمه الداخلي بدأ يخلق لنفسه ملاذا من الخيال
كان يعيد مشاهد ديزني في ذهنه خاصة فيلم الأسد الملك
يتخيله مرارا وتكرارا ليمر الوقت
قال كنت أكره برنامج Barney كنت أجبر على مشاهدته
ورغم العجز لم يترك وحيدا
والده رودني كان ملاكه الحارس يعتني به يوميا يحممه يطعمه يحركه كل ساعتين لئلا يصاب جسده بالتيبس
كتب مارتن لاحقا
حين خذلني جسدي أصبح والدي هو جسدي
مرت السنوات والعالم لم يلحظ شيئا
حتى جاءت سنة 2001
ممرضة جديدة تدعى فيرنا فان دير والت بدأت تلاحظ شيئا غير عادي
قالت عيناه تتحركان هناك وعي خلف هذا السكون
أصرت على إعادة تقييم حالته
وأخيرا اكتشف الأطباء أن مارتن واعي تماما
كان مصابا بمتلازمة نادرة تدعى Locked In Syndrome أي وعي كامل داخل جسد مشلول
بدأت رحلة شاقة استمرت سنوات من التأهيل والتواصل
في البداية باستخدام لوحة الحروف عبر حركة العين ثم أجهزة إلكترونية للنطق
ومع الوقت بدأ يتكلم من جديد
أخبرهم أنه كان واعيا منذ أكثر من 10 سنوات
وأنه كان يسمع كل كلمة ويتألم في صمت
قال كنت
لكن مارتن لم يستسلم
علم نفسه استخدام الحاسوب وتخصص في تصميم المواقع وبدأ يعمل من المنزل
وفي وسط هذا التحدي وجد الحب
تعرف على فتاة إنجليزية تدعى جوانا أحبها وأحبته
تزوجا وبدأ فصلا جديدا من الحياة
قال في يوم زفافه حين ظننت أني لن أحب يوما جاء قلبي من جديد
كتب مارتن قصة حياته في كتاب مؤثر بعنوان
Ghost Boy الفتى الشبح
روى فيه رحلته من الصمت إلى الصوت من العدم إلى الوجود
أصبح اليوم متحدثا عالميا يلهم الآلاف في مؤتمرات عالمية
ويكرر دائما جملته الملهمة
قد لا نملك حرية أجسادنا لكن نملك حرية عقولنا
قصة مارتن بيستوريوس ليست عن مرض
إنها عن النور الذي لا يطفأ حتى في أحلك اللحظات
عن صرخة لم يسمعها أحد حتى تحولت إلى صوت سمعه العالم كله
إنها تذكير مؤلم وملهم
أنك إن كنت تملك صوتا ويدا تتحرك
لا يشعر به إلا من عاش مثله أسيرا في جسده