ما معنـى اللمم فى قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الاثم والفـواحش الا اللمم ؟
خامسًا: لماذا قال الله «إلا اللمم»؟
ذكر المفسرون في معنى الاستثناء أقوالًا متعددة، ومن أشهرها أن المقصود أن المؤمنين يجتنبون الكبائر والفواحش، إلا ما يقع منهم أحيانًا من صغائر وهفوات.
والإنسان بطبيعته ليس معصومًا من الخطأ، ولذلك قال النبي ﷺ:
«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون».
وهذا الحديث يبين أن الخطأ قد يقع من الإنسان، لكن الفضل ليس في ألا يخطئ الإنسان أبدًا، فهذا ليس من طبيعة البشر، وإنما الفضل في أن يرجع إلى الله كلما أخطأ.
سادسًا: اللمم رحمة من الله وليس تصريحًا بالمعصية
من الخطأ أن يفهم الإنسان الآية على أنها دعوة إلى التساهل في الذنوب.
فالله سبحانه وتعالى عندما ذكر اللمم، قال بعدها:
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾
وهذا يفتح باب الأمل أمام العبد، ولا يفتح باب الجرأة على المعصية.
فالفرق كبير بين شخص يقع في خطأ ثم يقول: "يا رب اغفر لي"، وبين شخص يتعمد الذنب ويقول: "إنه مجرد ذنب صغير والله يغفره".
الأول يرجو رحمة الله، أما الثاني فقد جمع بين الذنب وسوء الأدب مع الله تعالى والاستهانة بمعصيته.
سابعًا: ماذا يفعل المسلم إذا وقع في اللمم؟
إذا وقع المسلم في ذنب أو هفوة، فعليه ألا ييأس من رحمة الله، بل يبادر إلى التوبة.
والتوبة الصادقة لها معانٍ واضحة، أهمها:
أولًا: الإقلاع عن الذنب.
ثانيًا: الندم على فعله.
ثالثًا: العزم على عدم العودة إليه.
وإذا كان الذنب متعلقًا بحقوق الآخرين، فينبغي رد الحقوق إلى أصحابها أو طلب المسامحة بحسب الحالة، لأن حقوق العباد أمرها عظيم.
ومن أعظم ما يعين على التوبة أن يكثر الإنسان من الاستغفار والعمل الصالح، وأن يبتعد عن الأسباب التي دفعته إلى المعصية.
ثامنًا: لا تزكوا أنفسكم
ومن أجمل ما في الآية أن الله تعالى ختمها بقوله:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
وهذه رسالة عظيمة لكل إنسان.
فلا ينبغي للمسلم أن يغتر بطاعته أو يعتقد أنه أفضل من غيره، لأن الله وحده يعلم حقيقة القلوب.
قد يكون شخص لا يلتفت إليه الناس، لكنه عند الله من المقربين بسبب إخلاصه وتقواه.
وقد يكون شخص يكثر من إظهار الطاعات أمام الناس، لكن قلبه يحتاج إلى إصلاح.
لذلك فإن المؤمن يعمل الصالحات، ويخاف ألا تُقبل منه، ويرجو رحمة الله، ولا يمدح نفسه ولا يحتقر الآخرين.
الخلاصة
اللَّمَم في قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾
هو عند كثير من أهل التفسير الهفوات وصغائر الذنوب التي يقع فيها الإنسان أحيانًا، ثم لا يصر عليها، ويتوب إلى الله منها.
والآية ليست ترخيصًا في ارتكاب المعاصي الصغيرة، وإنما هي بيان لسعة رحمة الله تعالى، وأن الإنسان المؤمن قد يقع في بعض الهفوات، لكنه لا يجعلها منهجًا لحياته، ولا يصر عليها، بل يعود إلى ربه ويستغفره.
ومن أعظم ما نتعلمه من هذه الآية أن المسلم ينبغي أن يعيش بين الخوف والرجاء؛ فلا يأمن مكر الله فيتمادى في الذنوب، ولا يقنط من رحمته إذا أخطأ.
فإذا وقعت في ذنب، فلا تقل: "لقد انتهيت"، ولا تقل: "أنا لا أستحق المغفرة"، بل ارجع إلى الله تعالى، واستغفره، وأصلح ما استطعت، واعلم أن باب التوبة مفتوح.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: 53]
فما أجمل أن يعيش المسلم قلبه بين خشية تمنعه من المعصية، ورجاء يحمله على التوبة، وثقة في رحمة الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وهو واسع المغفرة، عظيم الرحمة، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.