ما معنـى اللمم فى قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الاثم والفـواحش الا اللمم ؟
ما معنى «اللَّمَم» في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾؟
قال الله تعالى في سورة النجم:
﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
[النجم: 32]
هذه الآية الكريمة تحمل معنى عظيمًا من معاني رحمة الله تعالى بعباده، وتوضح الفرق بين كبائر الذنوب وبين ما يسمى اللَّمَم، كما تبين أن الإنسان مهما اجتهد في الطاعة فإنه يظل بشرًا قد يقع في الخطأ، ولذلك فتح الله له باب التوبة والمغفرة.
فما المقصود بكلمة «اللَّمَم»؟ وهل يعني ذلك أن صغائر الذنوب لا أهمية لها؟ وهل يجوز للإنسان أن يتعمد الذنوب الصغيرة بحجة أنها من اللمم؟ هذا ما نوضحه في هذا الموضوع.
أولًا: ما معنى كلمة «اللَّمَم»؟
كلمة اللَّمَم في اللغة تدور حول معنى الشيء القليل أو القريب والعارض، ومنه قولهم: ألمَّ بالشيء إذا مرَّ به أو قاربه ولم يلازمه.
وفي تفسير الآية، ذكر العلماء عدة أقوال متقاربة في معنى اللمم، ومن أشهرها أنه صغائر الذنوب والهفوات التي قد يقع فيها الإنسان ثم يتركها ولا يصر عليها.
وقد فسر بعض السلف اللمم بأنه ما يقع من العبد من الذنب أحيانًا ثم لا يستمر عليه ولا يصر على فعله.
ومن هنا يتضح أن الآية تتحدث عن أناس يجتهدون في اجتناب كبائر الإثم والفواحش، وقد تقع منهم بعض الهفوات أو الصغائر، فيغفر الله لهم برحمته إذا لم يصروا عليها وتابوا منها.
ثانيًا: ما الفرق بين الكبائر واللمم؟
الكبائر هي الذنوب العظيمة التي جاء في الشرع ما يدل على عظم خطرها، مثل الشرك بالله تعالى، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله قتلها بغير حق، والزنا، وشهادة الزور، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك من الذنوب التي ورد فيها وعيد شديد أو حد في الدنيا أو لعن أو غضب أو تهديد بالنار.
أما اللمم فهو عند كثير من أهل التفسير ما كان دون الكبائر من الذنوب، أي الهفوات والصغائر التي لا يصر الإنسان عليها.
والفرق المهم هنا أن المسلم لا يجوز له أن يقول: "سأفعل الذنب لأنه صغير"، فالاستهانة بالمعصية أمر خطير، لأن الذنوب الصغيرة إذا اجتمعت وتراكمت أو أصر الإنسان عليها، قد تصبح سببًا عظيمًا للهلاك.
ولهذا كان من صفات المؤمن أنه إذا أخطأ سارع إلى التوبة والاستغفار، ولم يجعل من صغر الذنب مبررًا للاستمرار فيه.
ثالثًا: هل اللمم يعني أن الله لا يحاسب على الذنوب الصغيرة؟
ليس معنى الآية أن كل ذنب صغير مباح، ولا أن الإنسان يستطيع أن يتعمد المعاصي ثم يقول: إنها مجرد لمم.
فالآية تمدح الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وتذكر أن ما يقع منهم من اللمم داخل في سعة مغفرة الله تعالى.
قال سبحانه في نهاية الآية:
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾
وهذه الجملة تحمل رجاءً عظيمًا للمؤمن، فهي تذكره بأن الله واسع المغفرة، وأن رحمته أعظم من ذنوبه إذا صدق في الرجوع إليه.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي للمسلم أن يتخذ سعة مغفرة الله ذريعة للمعصية؛ لأن المؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، فيخاف ذنبه ويطمع في رحمة ربه.
رابعًا: هل الإصرار على الصغائر يجعلها خطيرة؟
نعم، ولهذا ينبغي الانتباه إلى أمر مهم جدًا.
قد يكون الذنب في أصله من الصغائر، لكن الإصرار عليه والاستهانة به أمر خطير.
فالمؤمن لا ينظر فقط إلى حجم الذنب، وإنما ينظر إلى عظمة من عصى.
ولهذا كان السلف يحذرون من الاستهانة بالذنوب، لأن تكرار المعصية دون توبة قد يؤدي إلى قسوة القلب، وضعف الإيمان، والجرأة على المعصية.
أما إذا وقع المسلم في خطأ ثم ندم واستغفر وعزم على عدم العودة إليه، فهذا من حال المؤمنين الذين يرجعون إلى الله تعالى.
قال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: 135]
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾، ففيه إشارة إلى أهمية عدم الاستمرار في الذنب مع العلم به.