هل الشعر الرمادي علامة على الشيب فقط؟ وما حقيقة علاقته بالخلايا والسرطان؟
يمكن للخلايا الجذعية الميلانينية أن تتعامل مع بعض أنواع الضرر الجيني.
وفي دراسة نُشرت عام 2025، درس الباحثون في نماذج الفئران استجابات الخلايا الجذعية الميلانينية لأنواع معينة من الضرر الجيني، ووجدوا أن بعض أنواع الضرر يمكن أن تدفع هذه الخلايا نحو مسار يؤدي إلى استنزافها وظهور الشيب، وهو مسار قد يقلل في ظروف معينة من بقاء خلايا تحمل أضرارًا جينية قد ترتبط بتطور الميلانوما.
وهذه نتيجة علمية مهمة، لكنها لا تعني أن الإنسان الذي لديه شعر أبيض أصبح محميًا من السرطان.
كما أن الدراسة لا تقول إن كل شعرة رمادية تمثل خلية سرطانية تم إيقافها.
الأدق أن نقول إن فقدان بعض الخلايا الجذعية الصبغية قد يكون، في ظروف بيولوجية معينة، جزءًا من آلية تحمي الأنسجة من استمرار بعض الخلايا المتضررة.
وهذا مجال بحثي ما زال العلماء يدرسونه.
لماذا لا يمكن اعتبار الشيب اختبارًا ضد السرطان؟
السرطان ليس مرضًا واحدًا، وإنما مجموعة كبيرة من الأمراض التي تختلف في أسبابها وآلياتها.
كما أن الشعر الرمادي يحدث لدى الإنسان نتيجة أسباب متعددة، أهمها العمر والوراثة، ويمكن أن يرتبط أحيانًا بعوامل أخرى مثل التدخين وبعض حالات نقص العناصر الغذائية أو بعض الأمراض والحالات المناعية.
لذلك لا يمكن استخدام وجود الشعر الأبيض كوسيلة للحكم على خطر الإصابة بالسرطان، ولا يمكن القول إن الشخص الذي يشيب مبكرًا أقل عرضة للسرطان.
كما لا يمكن القول إن الشخص الذي لا يشيب محمي من السرطان.
هذه استنتاجات لا تدعمها الأدلة الحالية.
هل يمكن أن يظهر الشيب بسبب نقص الفيتامينات؟
نعم، في بعض الحالات يمكن أن يرتبط الشيب المبكر بنقص بعض العناصر الغذائية أو بحالات صحية معينة.
وتذكر المصادر الطبية وجود ارتباط بين الشيب المبكر وبعض أوجه نقص التغذية، ومنها نقص فيتامين B12 والحديد في بعض الحالات، إضافة إلى التدخين وبعض أمراض المناعة الذاتية.
لكن ظهور شعرة أو عدة شعرات بيضاء لا يعني تلقائيًا وجود نقص فيتامينات.
فإذا كان الشيب يظهر في العمر المعتاد وكان هناك تاريخ عائلي مشابه، فقد يكون العامل الوراثي هو التفسير الأكثر بساطة.
أما إذا ظهر الشيب بشكل مبكر جدًا أو بصورة مفاجئة أو ترافق مع أعراض أخرى، فمن الأفضل استشارة الطبيب لتقييم الحالة بدل الاعتماد على الوصفات المنتشرة على الإنترنت.
هل يمكن إعادة الشعر الرمادي إلى لونه الطبيعي؟
في معظم حالات الشيب المرتبط بالتقدم في العمر، لا توجد طريقة مضمونة تعيد الشعر إلى لونه السابق بصورة دائمة.
لكن إذا كان سبب الشيب المبكر مرتبطًا بعامل قابل للعلاج، مثل نقص غذائي محدد، فقد يساعد علاج السبب في إبطاء المشكلة أو تحسينها في بعض الحالات.
وتشير المصادر الطبية إلى أن الشعر الذي فقد لونه بسبب الشيخوخة لا يمكن عادةً إعادته إلى لونه السابق، بينما يمكن علاج بعض الأسباب التي تؤدي إلى الشيب المبكر عندما تكون معروفة.
أما الصبغات فهي وسيلة تجميلية لإخفاء اللون الرمادي، ولا تعيد الخلايا الصبغية إلى حالتها الأصلية.
هل ننتزع الشعرة البيضاء عندما تظهر؟
هناك اعتقاد شائع بأن نزع شعرة بيضاء يؤدي إلى ظهور عدة شعرات بيضاء مكانها، وهذا غير صحيح بهذه الصورة.
نزع الشعرة لا يجعل البصيلات المجاورة تتحول فجأة إلى اللون الأبيض. لكن تكرار نتف الشعر يمكن أن يسبب أضرارًا للبصيلة أو يؤدي إلى مشكلات أخرى، ولذلك لا يُنصح بجعل النتف وسيلة للتعامل مع الشيب.
ومن الأفضل لمن لا يرغب في ظهور الشعر الأبيض أن يستخدم وسيلة تجميلية مناسبة، مثل قص الشعر أو صبغه بمنتج مناسب.
الشيب جزء من رحلة الإنسان
رغم أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى الشعر الرمادي باعتباره علامة غير مرغوبة، فإنه في الحقيقة ظاهرة طبيعية شائعة في حياة الإنسان.
والشيب لا يعني أن الإنسان فقد صحته، ولا يعني أنه أصبح ضعيفًا، ولا يمكن من خلاله وحده معرفة العمر الحقيقي للشخص أو حالته الصحية.
وقد يكون ظهور الشعر الأبيض نتيجة طبيعية لتغير وظيفة الخلايا الصبغية مع مرور الوقت.
والأبحاث الحديثة جعلتنا نفهم هذه العملية بصورة أفضل، وأظهرت أن الخلايا الجذعية المسؤولة عن لون الشعر تتأثر بالعمر والضرر الخلوي والإشارات العصبية وغيرها من العوامل.
الخلاصة
الشعر الرمادي ليس مجرد علامة على الشيخوخة بالمعنى البسيط، ولكنه نتيجة لتغيرات بيولوجية تحدث داخل بصيلات الشعر، وعلى رأسها انخفاض إنتاج الميلانين وفقدان أو اضطراب وظيفة الخلايا الصبغية والخلايا الجذعية المسؤولة عنها.
وقد يكون للتقدم في العمر والوراثة الدور الأكبر، بينما يمكن أن تسهم عوامل أخرى مثل التوتر والتدخين وبعض حالات نقص التغذية وبعض الأمراض في ظهور الشيب المبكر.
أما المعلومة التي تقول إن كل شعرة بيضاء تعني أن الجسم أوقف خلية كان يمكن أن تصبح سرطانية فهي مبالغة في تبسيط نتائج الأبحاث. توجد بالفعل أدلة بحثية على أن استنزاف الخلايا الجذعية الميلانينية بعد تعرضها لبعض أنواع الضرر قد يمثل آلية وقائية ضد استمرار بعض الخلايا المتضررة، وقد دُرست هذه الفكرة خصوصًا في سياق الميلانوما، لكن لا يمكن تحويلها إلى قاعدة تقول إن الشعر الأبيض يحمي الإنسان من السرطان.
لذلك فإن ظهور الشعر الرمادي ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ظاهرة بيولوجية طبيعية في معظم الحالات، وليس علامة مؤكدة على مرض أو حماية من مرض.
والأجمل أن الإنسان لا يقاس بلون شعره، فالشيب قد يكون مجرد فصل جديد من فصول العمر، يحمل معه سنوات من التجارب والذكريات، وليس سببًا للخوف أو القلق ما دام لا يصاحبه ما يستدعي الفحص الطبي.