من المقصود بـ«الشاهد والمشهود» في سورة البروج؟ وما هو اليوم الموعود؟
وقيل إن الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة
وهذا من أشهر الأقوال كما ذكرنا.
ووردت معانٍ أخرى كذلك، لأن لفظ "شاهد" يمكن أن ينطبق على كل من يشهد شيئًا، ولفظ "مشهود" على كل ما يُشهد ويحضر.
ولهذا ذكر المفسرون عدة أقوال في تفسير الآية.
والأهم ألا ننسب قولًا معينًا إلى النبي ﷺ على أنه المعنى الوحيد للآية إذا كانت النصوص الواردة تحتمل أكثر من تفسير.
لماذا أقسم الله بالشاهد والمشهود؟
من الأساليب العظيمة في القرآن أن الله سبحانه وتعالى يقسم ببعض مخلوقاته، ليؤكد أمرًا عظيمًا يأتي بعد القسم.
وفي سورة البروج، جاء القسم بهذه الأمور قبل ذكر قصة أصحاب الأخدود.
قال الله تعالى:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.
والسورة تتحدث عن فتنة المؤمنين وإيذائهم بسبب إيمانهم، ثم تبين أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل ما حدث، وأن الظالمين لن يفلتوا من الحساب.
وهنا يظهر الارتباط القوي بين الشهادة والحساب والجزاء.
قصة أصحاب الأخدود
من أعظم موضوعات سورة البروج قصة أصحاب الأخدود.
كان هناك قوم آمنوا بالله، فأراد أهل الظلم أن يفتنوهم عن دينهم.
فحفروا أخاديد وأشعلوا فيها النار، وألقوا المؤمنين فيها بسبب إيمانهم.
قال الله تعالى:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾.
فقد كان الظالمون "شهودًا" على ما فعلوه بالمؤمنين، لكنهم ظنوا أن الأمر انتهى.
والقرآن يبين أن الله شاهد على كل شيء، وأن هناك يومًا موعودًا سيحاسب فيه كل إنسان على عمله.
هل يمكن أن يكون في الآية أكثر من معنى؟
نعم، وهذا من جمال القرآن وسعة معانيه.
قد تحمل الآية معنى صحيحًا من أكثر من وجه إذا دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم.
ولهذا لا ينبغي أن نقول إن كل الأقوال المختلفة في تفسير "الشاهد والمشهود" متناقضة بالضرورة.
فقد يكون المقصود بالشاهد يوم الجمعة في أحد الأحاديث، وقد يدخل في معنى الشاهد كل من يشهد يومًا أو حدثًا، وقد يكون النبي ﷺ شاهدًا على أمته يوم القيامة.
لكن عند نشر المعلومة ينبغي أن نكون دقيقين، فنقول:
ورد في تفسير الشاهد والمشهود عدة أقوال، ومن أشهرها ما جاء في الحديث: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، واليوم الموعود يوم القيامة.
وهذه صياغة أدق من الجزم بأن هذا هو التفسير الوحيد.
فضل يوم الجمعة
إذا كان الشاهد هو يوم الجمعة، فإن هذا يذكرنا بعظمة هذا اليوم.
يوم الجمعة ليس يومًا عاديًا في حياة المسلم، بل له فضائل عظيمة.
ومن أهم أعماله صلاة الجمعة، والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، وقراءة سورة الكهف عند من أخذ باستحباب ذلك، والإكثار من الدعاء، وخاصة في ساعة الإجابة التي وردت بها الأحاديث.
كما أن يوم الجمعة فرصة للمسلم لمراجعة نفسه والتوبة إلى الله.
فضل يوم عرفة
أما يوم عرفة، فهو من أعظم أيام السنة.
وقد أقسم الله تعالى بالفجر وليالٍ عشر، وذكر أهل العلم أن عشر ذي الحجة من أفضل أيام العام.
ويوم عرفة له مكانة عظيمة عند المسلمين، ويكثر فيه الحجاج من الدعاء والذكر والتلبية.
أما غير الحاج، فقد شرع له صيام يوم عرفة، وقد قال النبي ﷺ عن صيامه:
«أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده».
وهذا الفضل خاص بصيام يوم عرفة لغير الحاج على ما قرره أهل العلم.
ما علاقة «الشاهد والمشهود» بيوم القيامة؟
سواء أخذنا بتفسير الشاهد بيوم الجمعة والمشهود بيوم عرفة، أو بالأقوال الأخرى، فإن السياق القرآني يلفت الأنظار إلى الحساب والجزاء.
فالإنسان ينبغي ألا يعيش وكأن الدنيا هي النهاية.
هناك يوم موعود، قال الله عنه:
﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾.
إنه يوم القيامة، يوم يقف الناس بين يدي الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6].
في ذلك اليوم تظهر الحقائق، ويُجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، إلا من تاب وعفا الله عنه.
الرسالة التي تحملها الآيات
من أجمل ما نتعلمه من هذه الآيات أن الله لا يغيب عنه شيء.
قد يظلم الإنسان شخصًا ثم يظن أنه نجا.
وقد يؤذي مؤمنًا ثم يعتقد أن أحدًا لم ير ما فعل.
وقد يعمل الإنسان الخير في الخفاء ولا يعلم به أحد.
لكن الله تعالى يعلم كل شيء.
قال سبحانه:
﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: 6].
ولهذا فإن المؤمن يراقب الله في السر والعلن، ويعلم أن هناك يومًا موعودًا سيقف فيه الجميع بين يدي الله.
الخلاصة
قال الله تعالى:
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾.
واليوم الموعود هو يوم القيامة، وهذا هو أشهر وأقوى ما ورد في تفسيره.
أما الشاهد والمشهود فقد وردت في تفسيرهما أقوال متعددة، ومن أشهرها ما جاء في الحديث: الشاهد هو يوم الجمعة، والمشهود هو يوم عرفة.
كما قيل إن الشاهد هو النبي ﷺ، والمشهود هو يوم القيامة، وقيل غير ذلك من الأقوال التي ذكرها أهل التفسير.
ولهذا فإن الإجابة الأدق على السؤال المتداول في الصورة هي:
الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة، واليوم الموعود: يوم القيامة.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن هذه ليست الآية نفسها التي حصرت معنى الشاهد والمشهود في هذين اليومين، وإنما ورد ذلك في الحديث والتفسير، ولذلك من الأفضل عند نشر المعلومة ذكر أن هذا أحد أشهر التفسيرات الواردة.
وفي النهاية، تذكرنا سورة البروج بأن الدنيا ليست دار الخلود، وأن وراء هذه الحياة يومًا موعودًا، يقف فيه الجميع بين يدي الله.
فطوبى لمن أعد لذلك اليوم عملًا صالحًا، واتقى الله في السر والعلن، ولم يظلم أحدًا، وأحسن إلى الناس، وحافظ على صلاته وطاعته.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11].
فليكن تذكر اليوم الموعود دافعًا لنا إلى العمل الصالح، وليكن الشاهد والمشهود تذكيرًا بأن الله مطلع على كل شيء، وأن ما يخفى على الناس لا يخفى على رب الناس.