هل يجـوز الوصية بدفن المصحـف فى الكفن ليكـون عاصمًا من العذاب؟

لمحة نيوز

سادسًا: الدعاء لله تعالى بالثبات والمغفرة والرحمة.

فهذه أعمال شرعية حقيقية، وليست مجرد وسائل لم يثبت بها دليل.

## سادسًا: هل ينتفع الميت بالقرآن؟

القرآن له فضل عظيم، وقد وردت النصوص في فضل تلاوته والعمل به، كما وردت نصوص في انتفاع الميت ببعض الأعمال التي يفعلها الأحياء له، مثل الدعاء والصدقة.

وقد قال النبي ﷺ: **«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...»** وذكر منها الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به والولد الصالح الذي يدعو له.

ومن أعظم ما يمكن أن يقدمه الأبناء للآباء بعد موتهم الدعاء والاستغفار لهم، والصدقة عنهم فيما ثبتت مشروعيته.

أما تحويل المصحف إلى شيء يوضع داخل الكفن أو القبر اعتقادًا بأنه يحمي الميت، فهذا أمر مختلف، ولا ينبغي نسبته إلى الشرع دون دليل.

## سابعًا: ماذا لو كانت الوصية صريحة؟

قد يقول شخص قبل وفاته: "إذا مت، ضعوا المصحف معي في الكفن أو ادفنوه معي".

هنا يجب على الأسرة ألا تتعامل مع الوصية وكأن كل ما يوصي به الإنسان يجب تنفيذه مهما كان.

فالوصية تكون معتبرة إذا كانت في أمر مشروع، أما إذا كانت في أمر غير مشروع فلا يجوز تنفيذها على أنها عبادة.

وينبغي للأسرة أن تتعامل مع الميت بالرحمة، وأن تحرص على تنفيذ وصاياه المشروعة، وفي الوقت نفسه لا تفعل ما يخالف أحكام الشرع.

## ثامنًا: هل وضع المصحف مع الميت فيه إساءة إلى حرمة القرآن؟

ينبغي التعامل مع المصحف بكل احترام وتوقير.

والقرآن الكريم ليس شيئًا يوضع في القبر مع الميت لمجرد طلب البركة، بل له حرمة ومكانة عظيمة.

كما أن القبر قد يتعرض للرطوبة والتراب والتحلل، ووضع المصحف في مثل هذا المكان قد يؤدي إلى امتهانه أو تلفه.

ولهذا ينبغي أن يبقى المصحف محفوظًا ومصانًا، وأن يكون التعامل معه بما يليق بكتاب الله تعالى.

## تاسعًا: هل توجد أعمال معينة تنفع الميت من القرآن؟

إذا أراد الإنسان أن يجعل علاقته بالقرآن سببًا في الخير له ولمن يحب، فالأفضل أن يقرأ القرآن في حياته، وأن يتدبره ويعمل به.

كما يمكنه أن يعلم أبناءه القرآن، وأن يساهم في نشر العلم النافع، وأن يجعل من ماله صدقة جارية في تعليم القرآن ونشر العلم.

فهذا أقرب إلى مقصود الشرع من وضع نسخة من المصحف في القبر.

فالقرآن الذي يغير حياة الإنسان ويجعله أكثر تقوى وصدقًا ورحمة هو القرآن الذي ينتفع به صاحبه حقيقة.

## عاشرًا: ماذا عن الاعتقاد بأن القرآن "عاصم من العذاب"؟

لا شك أن القرآن سبب للخير والرحمة والنجاة لمن آمن به وعمل به، لكن لا يصح تحديد طريقة معينة للانتفاع به من غير دليل.

فالنجاة من العذاب بفضل الله تعالى ورحمته، مع الإيمان والعمل الصالح والتوبة.

ولا ينبغي أن يعتقد المسلم أن مجرد وجود المصحف بجوار الميت يجعل العذاب ممتنعًا عنه.

فالإنسان لا ينجو بالأشياء المادية وحدها، وإنما بالإيمان والتقوى ورحمة الله تعالى.

## الحادي عشر: الفرق بين التبرك المشروع والتبرك غير الثابت

من المهم التفريق بين التبرك الذي ثبتت مشروعيته وبين صور التبرك التي لم يثبت بها دليل.

فالقرآن نفسه مبارك، وتلاوته عبادة، والاستشفاء بما ثبت شرعًا من القرآن والدعاء أمر معروف عند أهل العلم.

لكن الانتقال من ذلك إلى تخصيص وضع المصحف في الكفن أو القبر لحماية الميت يحتاج إلى دليل خاص.

والأصل ألا يجعل الإنسان أمرًا جديدًا في العبادة لم يشرعه الله تعالى.

## الثاني عشر: ما أفضل ما يتركه الإنسان بعد موته؟

أفضل ما يحرص عليه الإنسان أن يترك وراءه **عملًا صالحًا وأثرًا طيبًا**.

يمكن أن يترك صدقة جارية، أو علمًا ينتفع به الناس، أو ولدًا صالحًا يدعو له.

ويمكن أن يعلم طفلًا القرآن، أو يساهم في بناء مسجد، أو يساعد محتاجًا، أو يترك علمًا نافعًا.

فهذه الأعمال يمكن أن يكون لها أثر بعد موته بحسب ما جاء في النصوص.

أما المصحف الذي يوضع في الكفن، فلا ينبغي جعله وسيلة للحماية من العذاب دون دليل.

## الخلاصة

**لا ينبغي للإنسان أن يوصي بوضع المصحف في كفنه أو دفنه معه على اعتقاد أنه سيكون عاصمًا له من عذاب القبر أو العذاب يوم القيامة؛ لأن ذلك لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم.**

فالقرآن الكريم كتاب هداية ورحمة، والانتفاع به يكون بالإيمان والتلاوة والتدبر والعمل بما جاء فيه، وليس بمجرد وضع نسخة منه مع الميت.

وإذا أوصى الإنسان بذلك، فلا يلزم أهله تنفيذ هذه الوصية إذا كانت مبنية على اعتقاد غير ثابت شرعًا، بل عليهم أن يحرصوا على ما ينفعه حقيقة، مثل الدعاء والاستغفار والصدقة عنه في الأمور المشروعة، وقضاء ديونه وحقوق الناس إن وجدت، وتنفيذ وصيته الصحيحة.

كما ينبغي احترام المصحف وصيانته عن أن يتعرض للتلف أو الامتهان في القبر.

والإنسان الذي يريد أن يجعل القرآن سببًا في نجاته، فليجعل القرآن حاضرًا في حياته: يقرأه، ويتدبره، ويعمل بأحكامه، ويتخلق بأخلاقه، ويجعل هدايته منهجًا له.

فالنجاة ليست في وضع المصحف بجوار الجسد بعد الموت، وإنما في أن يكون **القرآن في قلب الإنسان وسلوكه وحياته قبل أن يأتيه الموت**.

وفي النهاية، ينبغي أن نتذكر أن أعظم ما يحتاج إليه الميت هو رحمة الله تعالى، وأن من أنفع ما يقدمه الأحياء له الدعاء والاستغفار والصدقة المشروعة عنه.

**والله تعالى أعلم.**
 

تم نسخ الرابط