هل يجـوز الوصية بدفن المصحـف فى الكفن ليكـون عاصمًا من العذاب؟
# هل يجوز الوصية بدفن المصحف في الكفن ليكون عاصمًا من العذاب؟
من المسائل التي قد يختلف الناس حولها عند تجهيز الميت: أن يوصي الإنسان قبل وفاته بوضع نسخة من المصحف معه داخل الكفن أو القبر، اعتقادًا منه أن القرآن سيكون سببًا في حمايته من عذاب القبر أو عذاب الآخرة. وقد يظن بعض الناس أن وضع المصحف مع الميت نوع من التكريم للقرآن، أو أنه وسيلة للبركة والحفظ.
لكن هذه المسألة تحتاج إلى بيان دقيق؛ لأن **المصحف كتاب الله تعالى، وله حرمة عظيمة، والعبادات لا تثبت بمجرد الاعتقاد أو التجربة، وإنما تحتاج إلى دليل شرعي**.
فهل يجوز للإنسان أن يوصي بذلك؟ وهل يجوز لأهله تنفيذ هذه الوصية؟ وهل يكون المصحف سببًا في دفع العذاب عن الميت؟ وما الطريقة الصحيحة التي ينتفع بها الإنسان بالقرآن في حياته وبعد موته؟
## أولًا: مكانة القرآن الكريم
القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، وهو أعظم كتاب أنزله الله على عباده، وقد أنزله هداية ورحمة ونورًا للمؤمنين.
قال الله تعالى:
**﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾**.
وقال سبحانه:
**﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾**.
والقرآن ليس مجرد كتاب يوضع في مكان معين للحصول على البركة، وإنما هو كتاب هداية وتدبر وعمل.
فالانتفاع الحقيقي بالقرآن يكون بالإيمان به، وتلاوته، وتدبر معانيه، والعمل بأوامره، والابتعاد عن نواهيه.
## ثانيًا: هل ورد عن النبي ﷺ وضع المصحف مع الميت؟
لا يُعرف عن النبي ﷺ أنه أمر بوضع المصحف في كفن الميت أو دفنه معه، ولا ثبت عنه ﷺ أنه فعل ذلك بأحد من أصحابه.
كما لم يثبت أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يضعون المصاحف في الأكفان أو القبور لحماية الموتى من العذاب.
وهذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن أمور العبادة والقربات لا تُشرع بمجرد أن يراها الإنسان حسنة أو يعتقد أن فيها خيرًا، وإنما لا بد من دليل.
والأصل في العبادات التوقيف، أي أنها تُؤخذ من الشرع، ولا يُشرع منها شيء إلا بدليل معتبر.
## ثالثًا: هل يجوز الوصية بوضع المصحف في الكفن؟
إذا كان المقصود أن يوصي الإنسان بوضع المصحف مع جسده بعد وفاته **اعتقادًا بأن ذلك سيعصمه من عذاب القبر أو يحميه من العذاب**، فلا ينبغي أن يوصي بذلك؛ لأن هذا الاعتقاد لا يقوم على دليل شرعي صحيح.
وقد نصت دار الإفتاء المصرية في فتوى لها على أن وضع المصحف مع الميت في كفنه أو قبره ليس من السنة، وأنه لا يثبت أن ذلك يدفع عن الميت عذاب القبر. ويمكن الرجوع إلى دار الإفتاء المصرية في الفتوى المتعلقة بهذه المسألة.
فالإنسان لا يملك أن يجعل المصحف وسيلة مخصوصة للحماية بعد الموت دون دليل من القرآن أو السنة.
## رابعًا: هل المصحف نفسه يعصم الإنسان من العذاب؟
القرآن الكريم بلا شك سبب عظيم للهداية والرحمة، وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضل تلاوته والعمل به.
لكن ينبغي التفريق بين **القرآن ككتاب هداية** وبين الاعتقاد بأن مجرد وجود نسخة مادية من المصحف بجانب الإنسان تكفي لحمايته من العذاب.
فليس المقصود أن يضع الإنسان المصحف في قبره، وإنما أن يجعل القرآن منهجًا لحياته.
فالذي يقرأ القرآن ويؤمن به ويعمل بأحكامه ويتقرب إلى الله بما فيه، فهذا هو الانتفاع الحقيقي بكتاب الله.
أما وضع المصحف في الكفن دون دليل، فلا ينبغي اعتباره وسيلة شرعية لدفع العذاب.
## خامسًا: ماذا يفعل الإنسان بدلًا من ذلك؟
إذا كان الإنسان يخاف من عذاب القبر ويريد أن يعمل ما ينفعه بعد موته، فهناك أمور ثابتة في الشريعة يستطيع أن يحرص عليها.
أولها: **التوبة إلى الله تعالى**.
فالتوبة الصادقة من أعظم أسباب النجاة، وهي تكون بالإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا تعلق الذنب بحقوق العباد.
ثانيًا: المحافظة على الصلاة وسائر الفرائض.
ثالثًا: الإكثار من الأعمال الصالحة والصدقات.
رابعًا: الإحسان إلى الناس وصلة الرحم وبر الوالدين.
خامسًا: قراءة القرآن وتدبره والعمل بما فيه.