تفسير قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ – المعنى والدلالات والعبر
والإصرار على الظلم.
ولهذا قال الله تعالى بعد نهاية القصة
﴿كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
أقوال المفسرين
قال الإمام الطبري إن الخرص هو القول بالظن من غير يقين، وقد يكون كذبًا وافتراءً.
وقال ابن كثير إن الخراصين هم الكذابون الذين يتبعون الظنون ويتركون الحق.
وقال القرطبي الخرص هو التقدير بغير علم، وهو مذموم إذا بُني عليه حكم أو قول يخالف الحقيقة.
الدروس المستفادة
تحمل هذه القصة العديد من العبر، منها
وجوب شكر نعم الله، فالنعم تدوم بالشكر وتزول بالكفر والجحود.
إخراج حق الفقراء والمحتاجين، فالله جعل لهم نصيبًا في أموال الأغنياء.
عدم الاغترار بالمال والقوة، فالله قادر على سلب النعمة في لحظة.
قول إن شاء الله عند العزم على فعل شيء في المستقبل، امتثالًا لأمر الله.
التوبة الصادقة، فقد اعترف أصحاب الجنة بخطئهم وقالوا ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
معنى الخرص في حياتنا اليوم
لا يقتصر الخرص على زمن معين، بل يظهر في صور كثيرة، مثل
نشر الشائعات دون التحقق منها.
اتهام الناس بلا دليل.
إصدار الأحكام اعتمادًا على الظنون.
تداول الأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد نهى الإسلام عن ذلك، فقال تعالى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
وقال النبي ﷺ
كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع.
وهذا يدل على خطورة نقل الأخبار دون تثبت.
الفرق بين الخرص والتقدير المشروع
ليس كل تقدير يسمى خرصًا مذمومًا، فقد كان النبي ﷺ يبعث من يخرص ثمار النخيل؛ أي يقدّر كمية الثمار لمعرفة مقدار الزكاة، وهذا تقدير مبني على الخبرة والمعرفة.
أما الخرص المذموم فهو الكلام بغير علم، أو إطلاق الأحكام والادعاءات بلا بينة.
خاتمة
إن لفظ الخرص في القرآن الكريم يلفت انتباه المسلم إلى أهمية الصدق، والتثبت، والابتعاد عن الظنون والأوهام. كما أن قصة أصحاب الجنة تعلمنا أن المال نعمة من الله، وأن منع حقوق المحتاجين سبب لزوال البركة، وأن شكر الله، والإحسان إلى الناس، وربط الخطط بمشيئة الله تعالى، كلها أسباب لحفظ النعم وزيادتها.
فالقرآن لا يروي القصص لمجرد السرد، وإنما ليغرس في النفوس القيم الإيمانية والأخلاقية، ويبين أن عاقبة الظلم والبخل وسوء الظن وخداع النفس هي الخسران في الدنيا والآخرة،
بينما تكون النجاة في الصدق، والعدل، والتوكل على الله، والإحسان إلى خلقه.