من هو المنـــادي الذي نادى مريـــم فى قوله فناداها من تحتها؟
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
واختلف العلماء في معنى "السري"، وأشهر الأقوال أنه:
- نهر صغير أو جدول ماء أجراه الله لها لتشرب منه.
- وقيل: المقصود به الرجل الشريف، لكن جمهور المفسرين رجحوا أن المراد هو الماء الجاري، لأنه أنسب لسياق الآيات.
فالله تعالى هيأ لها الماء والطعام والراحة في وقت كانت أحوج ما تكون إليها.
لماذا أمرها بهز جذع النخلة؟
قال تعالى:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.
ومن المعلوم أن المرأة بعد الولادة تكون في غاية الضعف، ومع ذلك أمرها الله أن تهز جذع النخلة.
وقد استنبط العلماء من ذلك درسًا عظيمًا، وهو أن المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب، ولو كانت النتيجة بيد الله وحده.
فالله قادر على أن يُسقط الرطب دون هز، لكنه أراد أن يعلم عباده قيمة السعي والعمل مع التوكل عليه.
الدروس المستفادة من القصة
تحمل هذه الآيات الكريمة دروسًا كثيرة، منها:
- أن الله لا يترك عباده المؤمنين في الشدائد.
- أن الفرج يأتي بعد الكرب.
- أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل.
- أن رحمة الله تحيط بالمؤمن في أصعب الظروف.
- أن الثقة بالله تمنح القلب طمأنينة مهما اشتدت المحن.
كما تبين القصة المكانة العظيمة للسيدة مريم عليها السلام، فهي من أفضل نساء العالمين، وقد ذكرها الله في القرآن تكريمًا لها.
مكانة مريم في الإسلام
تحظى السيدة مريم بمكانة عظيمة في الإسلام، فهي المرأة الوحيدة التي ذُكرت باسمها في القرآن الكريم، وسميت سورة كاملة باسمها.
وقال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.
وقد أثنى عليها النبي ﷺ، وبيّن فضلها بين نساء العالم.
خاتمة
اختلف المفسرون في المنادي الذي نادى مريم عليها السلام في قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾، فذهب كثير منهم إلى أنه نبي الله عيسى عليه السلام، وهو القول الذي رجحه عدد من أهل التفسير، بينما قال آخرون إن المنادي هو جبريل عليه السلام. ومهما يكن من أمر، فإن العبرة الكبرى في هذه الآيات هي بيان عناية الله بمريم، وتثبيته لها في وقت الشدة، وتعليم المؤمنين أن رحمة الله قريبة، وأن مع العسر يسرًا، وأن من توكل على الله وأخذ بالأسباب كفاه الله وأعانه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.