عادت ل تنتقم
وصلت البيت قبل المغرب بشوية، رميت الشنطة على الكنبة وقعدت قدام الشباك أبص على الشارع من غير ما أشوفه. صوت التصفيق لسه بيرن في ودني، بس الغريب إن قلبي ماكانش بيوجع… كان ساكت. سكون تقيل زي سكون ما قبل العاصفة.
الموبايل ما بطلش رن. ٢٧ مكالمة من حسام، وراهم رسايل صوتية طويلة، وبعدهم أرقام من الشركة. سيبته يرن لحد ما سكت خالص. بعد نص ساعة سمعت خبط على الباب، خبط مش مستأذن، خبط واحد حاسس إن الأرض بتهرب من تحت رجليه.
ما فتحتش.
قعدت على المكتب وفتحت اللابتوب. دخلت على الإيميل اللي محدش يعرفه غيري وغير المحامي. كل ورق الشراكة قدامي، كل بند أنا اللي كتبته بإيدي من خمس سنين يوم ما قررت أدخل معاه شريك رسمي مش “زوجة المدير”. يومها كان بيقول لي: “وجودك اسمي بس عشان الشكل.” وأنا ابتسمت ووقعت… بس ضفت بند صغير محدش خد باله منه.
البند كان واضح: لو حصل أي تصرف علني يسيء لسمعتي أو يقلل من وضعي كشريك، يحق لي الانسحاب الفوري وسحب حصتي نقدًا حسب تقييم آخر ميزانية معتمدة.
وآخر ميزانية كانت مقيمة حصتي بـ ٢٠٧ مليون دولار.
اتصلت بالمحامي. ما سألتوش “أعمل إيه؟” قلتله بس: “نفّذ.”
في نفس الوقت كانت الحفلة لسه شغالة. اللي حصل على المسرح كان متصور، واتنشر في ثواني. بس اللي ما حدش يعرفه إن الإعلان اللي
بعدها بنص ساعة، جالي إشعار التحويل. الأرقام كانت قدامي على الشاشة، رقم ضخم كفاية يخلّي أي حد يتوه… لكن أنا ما تهتش. حسيت براحة غريبة. مش شماتة، ولا انتصار… راحة واحدة كانت مستنية اللحظة دي من زمان.
الخبط رجع أقوى.
قمت وفتحت الباب بهدوء.
حسام كان واقف، بدلته متبهدلة شوية، ورباط الكرافتة مفكوك. أول مرة أشوف في عينه حاجة شبه الخوف.
قال بصوت واطي:
“إنتي فهمتي الموضوع غلط.”
بصيت له من غير عصبية ولا دموع.
“أنا ما فهمتش حاجة خالص… أنا بس شوفت.”
دخل وقعد على طرف الكنبة، وفضل ساكت ثواني كأنه بيجمع كلامه.
“اللي حصل كان جزء من خطة… كان لازم نعمل حركة قوية قدام المستثمرين. السوق كان محتاج صدمة. الإعلان كان تمثيلية محسوبة.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
“حركة قوية؟ صدمة؟”
وقربت منه شوية وقلت:
“طب ما أنا كمان عملت حركة أقوى.”
وشه اصفر.
“إنتي عملتي إيه؟”
مديت له الموبايل. شاشة البنك قدامه، ورقم التحويل ظاهر.
سحب حصتي تم.
الهدوء اللي حصل بعدها كان أقسى من أي خناقة. حسام قام واقف فجأة.
“إنتي مجنونة؟! ده هيهز
“الشركة دي أنا بنيتها معاك خطوة خطوة. كل صفقة كبيرة كان وراها اسمي حتى لو ماكانش بيتقال في المؤتمرات. لما حبيت تعمل عرض على المسرح من غير ما تحسب حسابي… أنا حسبتها بطريقتي.”
قعد تاني، حاطط إيده على دماغه.
“إنتي عارفة إن خروجك دلوقتي هيخلي الأسهم تقع؟”
“مش مشكلتي.”
“طب وإحنا؟”
السؤال ده هو الوحيد اللي خلاني آخد نفس عميق.
“إحنا خلصنا من اللحظة اللي قررت فيها إن صورتي قدام الناس تبقى جزء من لعبتك.”
سكت. ما حاولش يمسك إيدي. ما حاولش يعتذر حتى. يمكن لأول مرة يفهم إن في حاجات ما ينفعش تتصلح بكلمتين.
بعد يومين بس، الأخبار المالية نزلت بعنوان كبير: إعادة هيكلة مفاجئة في “دلتا” بعد انسحاب شريك مؤسس. المستثمرين اتلخبطوا، والأسهم فعلاً هبطت، لأن الثقة مش بس أرقام… الثقة وجوه.
كريستين حاولت تتواصل معايا مرة واحدة برسالة رسمية بخصوص “ترتيبات انتقالية”. رديت عليها بإيميل قصير جدًا:
“كل حقوقي استلمتها. الباقي شأنكم.”
ما دخلتش في جدال، ولا فضيحة، ولا كلام يتقال ويتعاد. أنا اخترت أمشي في هدوء قاتل زي ما دخلت الحفلة.
بعد شهر، اشتريت مبنى صغير على النيل، وبدأت شركتي الخاصة. مش علشان أثبت حاجة لحد… لكن علشان لأول مرة أبني حاجة باسمي أنا، مش كظل لحد تاني.
وفي يوم افتتاح شركتي،
اتعلمت درس واحد بس من الليلة دي:
في ناس بتفتكر إن القوة إنك تعلن قرار قدام الكل.
لكن القوة الحقيقية إنك تقدر تمشي من غير ما تترجى حد يبقى.
وساعتها بس… عرفت إن الخسارة اللي كانوا فاكرينها نهاية حياتي، كانت في الحقيقة بداية حياتي أنا.
القصة الثانية
كنتُ على بُعد ثلاث ثوانٍ من أن أركن السيارة وأتصل برقم الطوارئ 911.
ليس لأن الراكب كان خطيرًا، بل لأنني كنت أشاهد رجلًا يموت ببطء من قلبٍ مكسور في مرآتي الخلفية.
أُغلق باب السيارة الثقيل، فحجز برد ديسمبر القارس في الخارج. لم يربط حزام الأمان. جلس متجمّدًا في المقعد الخلفي، يحدّق أمامه بفراغ، ويداه الغليظتان المتشققتان تمسكان بكيس بلاستيكي شفاف كُتب عليه: «متعلقات المريض».
في داخله كانت نظارة قراءة، وساعة فضية، وسترة صوفية مزخرفة بالزهور.
ضربتني الرائحة فورًا. تلك الرائحة الحادة المعقمة للمستشفى—مزيج من الكلور والكحول، ومعهما رائحة ثقيلة لا تخطئها الأنف: رائحة الأخبار السيئة.
أعلن تطبيق الرحلات على لوحة القيادة ببرود:
«الوجهة تبعد أربعة أميال.»
همس بصوت يرتجف كورقة جافة:
«فقط انطلقي… أرجوكِ يا سيدتي. أخرجيني من هذا الموقف.»
وضعتُ السيارة