ما الحكمة من تكرار قوله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان 31 مرة ؟ ومن المخاطبين فى هذه الآية الكريمة..؟؟

لمحة نيوز

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
من أكثر الآيات تأثيرًا في القرآن الكريم، وأكثرها تكرارًا في سورة واحدة، حيث جاءت 31 مرة في سورة الرحمن، وهو تكرار لافت للنظر، يهز القلب، ويوقظ الوعي، ويوقِف العقل أمام سؤال وجودي عظيم:
أيُّ نعمِ الله تكذّبون؟
أيُّ فضلٍ تُنكرون؟
أيُّ رحمةٍ تُجحد؟
أيُّ إحسانٍ تُقابلونه بالجحود؟
وهنا يثور السؤال:
لماذا تكررت هذه الآية 31 مرة؟
ومن المخاطَب بها؟
وما الحكمة البلاغية والإيمانية والعقدية من هذا التكرار؟
أولًا: معنى الآية لغويًا
(آلاء) جمع (إِلًى أو أَلًى)، وتعني:
النِّعَم
العطايا
الفضل
الإحسان
القدرة
الرحمة
العطاء الإلهي
والمعنى:
فبأي

نعم ربكما تكذبان؟
فبأي فضل من فضل الله تنكران؟
فبأي رحمة تجحدان؟
والآية ليست استفهامًا حقيقيًا، بل استفهام إنكاري توبيخي
أي: لا يوجد شيء يُكذَّب… لكن المقصود التقريع والتنبيه والتذكير.
ثانيًا: من المخاطَبون في الآية؟
الآية تقول: (ربكما) بصيغة التثنية
وليس: ربكم
ولا: ربهم
وهنا دقة قرآنية عظيمة.
المخاطَبون هم:
الإنس والجن معًا
وهذا باتفاق جمهور المفسرين.
والدليل:
سورة الرحمن تبدأ بخطاب عام:
﴿الرَّحْمَٰنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ • خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾
ثم يقول لاحقًا:
﴿سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
والسورة
مليئة بما يدل على الخطاب المزدوج:
نعيم الإنس
نعيم الجن
حساب الفريقين
جزاء الفريقين
عذاب الفريقين
جنة الفريقين
إذن:
الخطاب موجه للثقلين: الإنس والجن
ثالثًا: لماذا التكرار 31 مرة؟
1. التكرار للتثبيت لا للحشو
في القرآن:
لا يوجد تكرار بلا حكمة
ولا إعادة بلا مقصد
ولا لفظ زائد بلا معنى
التكرار هنا تربوي – إيماني – عقدي – نفسي
وليس أسلوبيًا فقط.
2. التكرار أسلوب قرآني للإيقاظ
مثل:
﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المرسلات
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾
التكرار في القرآن:
ليس تكرارًا لفظيًا
بل تكرارٌ معنويّ تأثيريّ
كل
مرة تأتي الآية بعد نعمة مختلفة
فتكون كأنها سؤال جديد
ومواجهة جديدة
ومحاسبة جديدة
3. كل تكرار بعد نعمة
في سورة الرحمن: كل مرة تأتي الآية بعد:
نعمة
قدرة
آية
رحمة
مشهد من الجنة
مشهد من النار
مشهد من الخلق
مشهد من الكون
مشهد من الحساب
فتكون الآية كأنها تقول:
بعد هذا كله…
أي نعمة تكذّبان؟
4. التكرار للتقرير في القلب
العرب تقول:
"الكلام إذا تكرر تقرر"
أي: التكرار يرسّخ المعنى في القلب
ويحوّله من معلومة إلى يقين
ومن فكرة إلى عقيدة
ومن معنى إلى وعي دائم
5. التكرار للمحاسبة
الآية ليست مجرد ذكر نعمة
بل محكمة محاسبة إيمانية
كأن الله يقول:
أنا أعطيت
وأنا أنعمت
وأنا
خلقت
وأنا رزقت
وأنا رحمت
وأنا هديت
وأنا عافيت
وأنا سترت
وأنا سامحت

تم نسخ الرابط