تبرّأ مني والداي وأنا طفلة… وبعد 15 عامًا انهارا في قراءة الوصية

لمحة نيوز

عندما تبرأ مني والداي في الثالثة عشرة من عمري لم يتكلفا عناء تلطيف الأمر.
كان ذلك يوم ثلاثاء ماطرا في مدينة صغيرة من إقليم بورغونيا. ما زلت أرى أمي إليونور واقفة في المطبخ وذراعاها معقودتان تقول لي ببرود إنني عبء عاطفي أصبح لا يحتمل.
أما أبي أرماند فكان يحدق في الطاولة أمامه دون أن يجرؤ على النظر إلي.
أمراني أن أجهز حقيبة وأن أنتظر خارج المنزل تحت السقيفة.
هناك توقفت طفولتي.
ولولا أنني لم أوضع تحت وصاية الخدمات الاجتماعية فذلك كان فقط بفضل عمي باسيل مونتكلار الأخ الأكبر لأبي.
كان رجلا ثريا متحفظا بعيدا شبه أسطوري داخل العائلة. بالكاد كنت أعرفه.
في تلك الليلة توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام البيت. نزل باسيل منها مرتديا معطفا أنيق التفصيل وقال ببساطة
ستأتي معي.
لم يعترض أحد. بدا والداي مرتاحين.
كانت الحياة في بيت عمي صامتة صارمة ومليئة بالمتطلبات.
كان يؤمن بالانضباط والاستحقاق والمسؤولية. لا خطابات عاطفية ولا شفقة مستعرضة.
ألحقني بمدرسة خاصة واستعان بمعلمين عندما كنت أواجه صعوبات وكان ينتظر التميز دائما.
وذات يوم قال لي
لست مدينة لي بالامتنان. أنت مدينة لنفسك بالنجاح.
ومع الوقت فهمت قصده إحسانه لم يكن حنونا بل مبنيا ومقصودا.
وعندما كبرت اكتشفت الحقيقة عن عائلتي.
كان والداي يعتمدان ماليا على باسيل دائما. هو من سدد ديونهما وحل أزماتهما ومول متجر الديكور الخاص بأمي الذي كان
فشلا ذريعا.
حقدهما علي لم يكن بسبب المال بل بسبب السيطرة.
برحيلي فقدا ورقة الضغط الوحيدة.
في الثامنة عشرة

غادرت للدراسة في باريس بلا ديون ومع وصية واحدة ابن شيئا يخصك.
درست المالية ثم القانون.
لم يوجهني باسيل يوما لكنه كان يراقب. كنا نتحدث كل أسبوع.
ولم يذكر اسم والدي قط.
مرت خمسة عشر عاما.
أصبحت محامية في الشركات في حي لا ديفانس.
ولم يكن لي أي تواصل مع والدي منذ تلك الليلة الماطرة.
ثم جاء اتصال من رقم مجهول.
كان باسيل قد توفي فجأة إثر سكتة دماغية.
أقيمت قراءة الوصية في مكتبه التوثيقي في الدائرة السابعة.
وصلت مبكرا مرتدية الأسود وبدوت هادئة في الظاهر.
ثم دخلت أمي.
كان صوت كعبيها يرن على أرضية الخشب ونظرتها محسوبة تتفحص القاعة كما لو كانت تقيم المكان.
وعندما رأتني ابتسمت وكأن شيئا لم يكن.
مالت نحوي وهمست
كنت أعلم أنه سيترك لنا شيئا. كان يشعر بالذنب دائما.
في تلك اللحظة فهمت كل شيء
لم تكن لديها أدنى فكرة عما كان على وشك أن يحدث.
عندما دخل الموثق القاعة استقامت أمي في جلستها على الفور كأن عمودا خفيا قد شد داخل ظهرها. بدا المشهد كما لو أنها بدأت بالفعل تعد مالا لا يخصها تقسمه في ذهنها توزعه على أحلام مؤجلة وتعيد رسم مستقبل كانت تظن أنه مضمون.
كان الرجل قصير القامة أصلع الرأس يحمل ملفا جلديا بني اللون يسير بخطوات محسوبة وكأن كل خطوة منه تضيف ثقلا إلى الصمت المتوتر الذي يخيم على
المكان. جلس خلف المكتب العريض سوى أوراقه بعناية ثم رفع رأسه أخيرا.
قال بصوت رسمي متزن خال من أي انفعال
الوصايا الأخيرة لباسيل مونتكلار.
في تلك اللحظة اتسعت ابتسامة أمي ابتسامة لم تكن تحمل فرحا بقدر ما كانت
تعبيرا عن انتصار مبكر عن يقين أعمى بأنها ستخرج من هذه القاعة محملة بما اعتبرته حقا طبيعيا.
دخل أبي متأخرا يلهث قليلا نظر حوله بارتباك ثم جلس إلى جانبها. مال نحوها وهمس بصوت منخفض لكنه مسموع لي
سنشتري بيتا صيفيا ربما اثنين واحدا على الساحل وآخر في الجبال.
كانت الكلمات تتساقط منه بثقة رجل بدأ يصرف أموالا لم تقع في يده بعد.
تابع الموثق القراءة بنبرة لا تعرف التحيز
إلى أخي أرماند مونتكلار وزوجته إليونور
في تلك اللحظة شدت أمي يد أبي بقوة كأنها تخشى أن يفر الحلم من بين أصابعها. رأيت عروق يدها تبرز وشفتيها ترتعشان قليلا.
ثم جاءت الجملة.
أوصي لكل منهما بمبلغ رمزي قدره يورو واحد.
سقط الصمت على القاعة كالمقصلة.
صمت كثيف ثقيل حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة.
لم تصدق أمي ما سمعت. أطلقت ضحكة قصيرة متشنجة أشبه بصوت زجاج ينكسر.
هذا غير مضحك لا بد أن هناك تتمة.
قلب الموثق الصفحة ببطء دون أن يرفع نظره وكأن اعتراضها لا يعنيه.
هذا القرار إرادي ومدروس. في حياتهما تلقيا أكثر بكثير مما يستحقان.
نهض أبي فجأة دفع الكرسي خلفه بعنف.
هذا عار! هذه فضيحة! نحن عائلته! نحن دمه!
رفع الموثق
يده قليلا بنبرة هادئة لكنها حازمة
اجلس من فضلك سيدي.
تجمد أبي في مكانه ثم جلس ببطء وكأن ساقيه خانتاه.
اختفى اللون من وجه أمي تماما. لم تعد تلك المرأة الواثقة التي دخلت القاعة قبل دقائق. تحولت ملامحها إلى قناع شاحب عيناها متسعتان تبحثان عن تفسير.
قال الموثق
إلى ابنة أخي
توقف لحظة ثم التفت نحوي مباشرة كأنه يتعمد
أن يوجه الكلمات إلي لا إليهم.
التي ربيتها وعلمتها والتي أعتبرها وريثتي الأخلاقية الوحيدة أوصي بكامل ممتلكاتي.
غادر الهواء القاعة.
شعرت وكأن الجدران اقتربت وكأن الزمن توقف عند تلك الجملة. أمي حدقت بي فاغرة الفم عاجزة عن النطق.
هذا هذا مستحيل.
بدأ الموثق يسرد التفاصيل بصوت رتيب لكن كل كلمة كانت تسقط كحجر ثقيل
مبان في باريس.
محافظ مالية.
شركات.
مؤسسات.
عقارات.
استثمارات.
عشرات الملايين من اليوروهات.
رأيت يد أبي ترتجف ارتجافا خفيفا في البداية ثم صار واضحا فاضحا كأن الجسد الذي حمله لعقود بدأ يعلن استسلامه. لم يكن ارتجاف خوف فقط بل ارتجاف رجل أدرك متأخرا أن حسابات العمر كلها كانت خاطئة.
أما أمي فرفعت يدها إلى صدرها ببطء وضغطت عليه كما لو كانت تحاول أن تمنع قلبها من الانفلات أو أن تجبر أنفاسها على البقاء في صدرها. كانت تتنفس بصعوبة بعينين زائغتين وكأن الغرفة تضيق عليها فجأة وكأن الهواء لم يعد كافيا.
ساد صمت قصير صمت لم يكن هدوءا بل فراغا مشحونا مثل اللحظة التي تسبق سقوط شيء ثقيل
من علو شاهق.
ثم جاء الدور على الضربة الأخيرة.
قال الموثق بنبرة لم تتغير نبرة رجل اعتاد أن يكون شاهدا على انهيارات البشر
بند إضافي بناء على طلب الآنسة مونتكلار.
لم أفهم في تلك اللحظة إن كانت أمي قد سمعت الجملة كاملة أم التقطت كلمة واحدة فقط طلب.
استدارت نحوي بعنف حتى إن الكرسي أصدر صوت احتكاك حادا مع الأرض. عيناها كانتا مشتعلتين لا بالغضب وحده بل بالذعر.
طلبي أنا
كان في صوتها شيء من الرجاء شيء من محاولة
الإمساك بأي تفسير ينقذ ما تبقى.
رفع الموثق نظره إلي. لم يكن تحديا بل التزاما بالإجراء.
تم نسخ الرابط