عقيد الماني
في الثلاثين من أبريل عام 1945 كانت برلين جحيما. كان السوفييت على بعد ثلاثمائة متر من مستشارية الرايخ. كانت قذائف الهاون تتساقط كالمطر فتحول المباني إلى أنقاض محترقة تتصاعد منها الأبخرة. وسط ذلك الفوضى كان العقيد كلاوس ريختر من الفيرماخت يعلم أن بضع ساعات فقط تفصله عن أن ينتهي كل شيء.
كان ريختر في الثانية والأربعين من عمره وقد أمضى اثني عشر عاما في خدمة الرايخ الثالث ونال أوسمة على شجاعته في الجبهة الشرقية. كان قائدا يحظى بالاحترام لكنه كان يعرف أيضا أن اسمه موجود في قوائم الحلفاء قوائم رجال سيطلب منهم الإجابة عما فعلوه في نورمبرغ أفعال كانوا يفضلون ألا تستعاد في وضح النهار.
في الملجأ تحت الأرض حيث كان آخر المدافعين عن برلين يختبئون اتخذ ريختر قرارا. لن يموت هنا. ولن يؤسر. كان قد أعد طريق هروب منذ أشهر عندما صارت الهزيمة أمرا لا مفر منه. كانت سيارته مرسيدسبنز 770K السوداء متوقفة في مرآب تحت الأرض على بعد كيلومترين.
كانت السيارة المصفحة التي صودرت من أحد كبار النازيين وقد مات الآن تحتوي سلفا على كل ما يحتاج إليه خمسون لترا إضافيا من البنزين مؤن تكفي أسبوعين ذهب وثائق مزورة وزي احتياطي مطوي بعناية. عند الساعة الثانية بعد الظهر بينما كان أدولف هتلر يستعد للانتحار في ملجئه خرج ريختر من بين الأنقاض.
كان يرتدي زي جندي بسيط بلا شارات رتبة. لم يكن أحد ينظر مرتين إلى جندي وحيد وسط ذلك الجنون. كانت الشوارع مكتظة بالجثث والمركبات المحترقة والركام المتفحم. رائحة الموت كانت في كل مكان. بلغ المرآب في الساعة الثالثة والنصف. كانت المرسيدس سليمة.
أدار المحرك فصدر عنه زمجر قوي رغم شهور من السكون.
مر ببلدات أشبه بالأشباح وغابات دمرها القصف وطرق مليئة بالفوهات. عند فجر الأول من مايو بلغ الحدود النمساوية. كانت النمسا أيضا تحت الاحتلال لكن أقل كثافة من ألمانيا. لم يكن الحلفاء في كل مكان بعد. كانت هناك فراغات يستطيع رجل أن يختفي فيها.
كان ريختر قد نشأ في النمسا في إنسبروك. كان يعرف هذه الجبال كما يعرف كف يده. وهو طفل استكشف كل واد وكل كهف وكل درب خفي في جبال تيرول الألبية. وكان يتذكر كهفا بعينه عميقا واسعا لا يوصل إليه إلا طريق لا يستخدمه أحد الآن. إلى هناك سيذهب. ليس ليختبئ مؤقتا بل لينتظر.
لينتظر حتى يهدأ العالم وحتى يمل المطاردون وحتى تمحو السنوات أثره. قاد نحو الجنوب الغربي متجنبا الطرق الرئيسية عبر مسالك جبلية بالكاد تصلح للعبور. كانت المرسيدس بنظام تعليقها المتين ومحركها القوي تتعامل مع التضاريس الوعرة.
في كل قرية مر بها رأى أعلام الاستسلام البيضاء. كانت الحرب قد انتهت والرايخ قد مات لكن كلاوس ريختر كان ما يزال حيا وكان يعتقد أنه سيحسن تدبير ذلك. في الثالث من مايو 1945 بلغ وادي هوتشتال في جبال تيرول. كانت منطقة معزولة قاسية حيث يشك الناس في الغرباء ولا يطرحون أسئلة.
أوقف المرسيدس قرب مزرعة مهجورة ثم مشى الكيلومتر الأخير حتى الكهف. كان تماما كما يتذكر. المدخل مخفي خلف صخور وأشجار بالكاد يرى. في الداخل كان الكهف يمتد لأكثر من مئة متر
كان الهواء باردا لكنه جاف وهو ما يجعله مثاليا للحفظ. عاد ريختر ليأتي بالمرسيدس. استغرقه الأمر ست ساعات ليدخل السيارة إلى الكهف يقود مليمترا بمليمتر عبر الطريق الضيق الصخري. لكنه نجح في النهاية. أصبحت السيارة في الداخل مخفية عن العالم.
في الأيام التالية أعد ملاذه نقل المؤن من المزرعة المهجورة نصب مصابيح زيتية صنع مساحة معيشة بدائية في إحدى القاعات وقبل كل شيء بدأ يكتب يومياته.
لم تكن اعترافات ولا اعتذارات بل سردا لما حدث لما رآه لما فعله. كان كلاوس ريختر يعلم أن التاريخ سيكتبه المنتصرون وأراد أن تبقى نسخته على الأقل في مكان ما.
تحولت الأسابيع إلى أشهر مايو يونيو يوليو 1945. كان الحلفاء قد احتلوا النمسا كلها. كانت الدوريات تمر أحيانا في الوادي بحثا عن الهاربين لكن أحدا لم يعثر على الكهف ولم يبحث هناك.
كان ريختر يعيش على المعلبات ومياه الجبال والصمت. وفي كل ليلة على ضوء مصباح زيت مرتعش كان يكتب مئات الصفحات عن حياته وعن الحرب وعن القرارات المستحيلة وعن الأوامر التي نفذت وعن أشياء لم يكن فخورا بها لكنه لم يكن يندم عليها أيضا.
صارت اليوميات رفيقه ومصغيه ووصيته. جاء خريف 1945 ببرودة لاذعة. أصبحت ليالي الكهف لا تطاق. كان يرتدي زيه العسكري الكامل فقط ليتدفأالزي الذي أقسم ألا يرتديه مجددا. لكن الكبرياء لا يدفئ حين يأتي الصقيع.
كان يعلم أنه لن يستطيع قضاء الشتاء هناك. الثلوج ستسد المدخل بالكامل. كان عليه أن ينزل مؤقتا على الأقل وأن يختلط بالناس. لكن كيف كان وجهه معروفا في المنطقة. قد يتعرف إليه أحد.
جاء الحل من مزارع محلي اسمه يوهان شتاينر.
في ليلة من ليالي أكتوبر نزل ريختر إلى المزرعة وطرق الباب وهو يحمل مسدس لوغر في يده لكنه مخفي. فتح شتاينر ورأى الزي العسكري تحت المعطف الطويل وفهم على الفور. أنت هارب. لم تكن سؤالا. قال ريختر لدي مال ذهب. أستطيع أن أدفع لك بسخاء إن ساعدتني.
نظر شتاينر إليه طويلا ثم هز كتفيه. المال لم يعد يساوي شيئا أما الذهب فالذهب يبقى ذهبا. سأله ماذا تريد أجاب ريختر مكان أقيم فيه هذا الشتاء. كتمان. طعام. لا أحد يجب أن يعرف.
قال شتاينر بعد لحظة أخي كان لديه كوخ صياد على بعد كيلومترين من هنا. لا يذهب إليه أحد. مات في ستالينغراد. يمكنك استخدامه. لكن إن وجدك الحلفاء فأنا لا أعرفك.
وهكذا بدأت شراكة غريبة. قضى ريختر شتاء 1945 و في الكوخ المعزول. كان شتاينر يجلب له الطعام كل أسبوع مقابل سبائك صغيرة من الذهب. لم يتحدثا كثيرا. لم يطرح شتاينر أسئلة. ولم يقدم ريختر تفسيرات.
خلال تلك الأشهر واصل ريختر كتابة يومياته. أصبحت الملاحظات أكثر فلسفة وتأملا. كان يسأل نفسه إن كان الاختباء والبقاء على قيد الحياة جبنا أم حكمة. الجبناء يختبئون خوفا. أما الحكماء فيحفظون أنفسهم لغرض مستقبلي. لكن ما الغرض الآن الرايخ تحطم هتلر مات القادة أسروا أو هربوا مثله. ماذا بقي
في ربيع 1946 كانت محاكمات نورمبرغ جارية. كان ريختر يقرأ الصحف التي يجلبها شتاينر. غورين هس ريبنتروب يحاكمون. بعضهم أعدم وبعضهم سجن. وكانوا ما يزالون يلاحقون آلاف النازيين من رتب متوسطة الذين اختفوا في فوضى 1945.
كان اسم ريختر