طلب زوجة بالمراسلة… ثلاث هربن من بيته المعلّق على الهاوية، والرابعة غيّرت كل شيء!
حل شهر مارس من عام 1912 ببرودة تتسلل إلى العظام وبرياح جبلية توحي وكأنها تهمس حين يخلو المكان من البشر. وفي داخل المكسيك على بعد ستة كيلومترات من قرية سان سباستيان ديل فايي كان يعيش رجل طيب بدأت نظرات الناس إليه تختلط فيها الشفقة بالخوف.
كان اسمه تاديو ألكانتارا في الرابعة والثلاثين من عمره نجارا ماهرا صاحب حرفة دقيقة ويدين ثابتتين من أولئك الذين إذا صنعوا كرسيا بدا وكأن الكرسي خلق ليكون على تلك الهيئة منذ البداية. لم يكن عنيفا ولا قبيحا ولا فقيرا. غير أن بيتهبيتا متينا من الخشب والحجركان قائما على حافة تجمد الدم في عروق أي غريب شرفة تصدر صريرا خفيفا فوق واد سحيق عميق إلى حد تبتلع الظلال قاعه فلا يرى له قرار.
طلب تاديو زوجة بالمراسلة. فجاءت ثلاث نساء واحدة تلو الأخرى من أماكن بعيدة يحملن الأمل في عيونهن ثم غادرن هاربات في اليوم نفسه. أما الثالثة فقد صعدت إلى العربة وملامح الرعب تعلو وجهها كأنها رأت شبحا. وبقي تاديو واقفا على الشرفة يراقبها وهي تبتعد جامدا في مكانه ممسكا بقبعته بين يديه غير قادر على فهم سبب إصرار القدر على إذلاله.
وكانت هناك كلمة لا يجرؤ أحد في القرية على النطق بها صراحة لكنها تحوم في الأجواء كذباب مزعج ملعونة.
كانوا يهمسون هذا البيت ملعون وهذا الوادي يطلب روحا أخرى.
ثم جاءت الرابعة.
في مدينة مكسيكو في حي سانتا في
الذي كان ينمو بسرعة لا ترحم من يتعثر كانت إلينا فالديفيا تمسك صحيفة صفراء بأصابع نحيلة. كانت في الثامنة والعشرين من عمرها ومعدتها خاوية لأنها تنازلت عن الغداء توفيرا للنقود. كانت تقيم في نزل تديره دونيا كونستانسا في غرفة ضيقة تشارك جدرانها مع بؤس يشبه بؤسها. وكان المساء يتسلل من نافذة ضيقة حاملا رائحة الغبار والفحم وروث الدواب.
كان الإعلان بسيطا يكاد يكون حزينا
رجل صالح في الرابعة والثلاثين
لم يعد الإعلان بترف ولا بعاطفة جارفة. لم يعد إلا بالمؤانسة. وكانت تلك الكلمة وحدها كافية لأن تلامس شيئا عميقا في داخل إلينا كأن أحدهم ضغط على جرح لم يندمل بعد.
قبل ستة أشهر فقط كانت إلينا معلمة. لها صفها وتلميذاتها بشعور مضفورة تزينها الأشرطة وروتينها اليومي وكرامتها. إلى أن قررت كلوتيلدي أرياغاوالدة تلميذة متوسطة المستوى وقريبة مدير المدرسةأن ابنتها تستحق درجات أعلى وأن المعلمة لا تتصرف كما ينبغي.
تحول الأمر إلى اتهام كاذب مغلف بفضيحة قالوا إن إلينا تبيع الدرجات وتتلقى الهدايا وتسعى للمصلحة الشخصية. لم يحقق أحد. ولم يدافع أحد. وطلب منها المديرالضعيف الجبانأن تقدم استقالتها حرصا على مصلحة الجميع.
خرجت إلينا من المدرسة وهي تحمل حقيبة قماشية على كتفها وعينان جافتان احترقتا من الداخل حتى نسيتا البكاء. بحثت عن عمل وأرسلت رسائل وطرقت أبوابا لكن الشائعة كانت أسرع منها. تلاشت مدخراتها بين يديها فباعت فستانا ثم آخر حتى انتهت في ذلك النزل تأكل خبزا يابسا وتتعلم كيف تحدق في السقف وتتساءل هل يمكن لإنسان أن يختفي دون أن يشعر به أحد
لهذا في إحدى أمسيات فبراير أمسكت إلينا قلما وورقة واستعارت قدرا من الشجاعة.
السيد ألكانتارا
اسمي إلينا فالديفيا. كنت معلمة وفقدت عملي بسبب اتهام كاذب.
لا عائلة لي ولا آفاق واضحة.
أجيد القراءة والكتابة والطهو والعناية بالمنزل.
لست جميلة لكنني مجتهدة.
إن كنت لا تزال تبحث عن زوجة فأنا أوافق على لقائك.
أرسلت الرسالة دون أن تسمح لنفسها بكثير من الأحلام. وبعد أسبوعين ناولتها دونيا كونستانسا ظرفا أخفت فضولها بصعوبة. وكان في داخله خط ثابت وواضح
السيدة إلينا
أشكرك
أرفق لك نفقات الرحلة إلى فيا إسبيرانثا ومن هناك عربة إلى سان سباستيان ديل فايي.
أخبريني بموعد وصولك. سأكون في انتظارك.
تاديو ألكانتارا.
كانت خمسون بيزو مطوية بعناية. وبالنسبة لإلينا كانت أشبه بيد تمتد إليها من حافة الجوع.
بعد أسبوعين صعدت إلينا القطار وهي تحمل حقيبة جلدية قديمة وقلبا يمتلئ بالخوف الممزوج
بالأمل. ومع كل ميل تقطعه كانت المدينة تبتعد ويولد عالم آخر حقول ذرة يابسة تلال عارية وأنهار رفيعة كالأشرطة.
في فيا إسبيرانثا كان في انتظارها سائق عربة ذو شارب متدل رجل نحيل قليل الكلام. سألها وهو يرفع الحقيبة بحذر شديد
هل أنت عروس دون تاديو
أومأت إلينا. وتحركت العربة لساعات طويلة. وحين لم تعد تحتمل ثقل الصمت سألت عن
سببه. تنفس الرجل بعمق وكأن لسانه خانه.
أنت الرابعة يا سيدتي.
الرابعة رددت إلينا وقد تجمد الدم في عروقها وماذا عن الأخريات
حدق الرجل إلى الطريق أمامه كأنه يخشى أن تسمع الجبال.
رأين البيت وغادرن في اليوم نفسه. إحداهن كانت تبكي وتقول إن النوم هناك مستحيل.
ولماذا
لأنه قائم على حافة الوادي ولأن هناك حكايات.
تذكرت إلينا النزل والجوع والمدينة التي لفظتها. وابتلعت خوفها كما يبتلع دواء مر.
مع الغروب دخلت العربة قرية سان سباستيان ديل فايي شارع ترابي نحو عشرين بيتا من الطين كنيسة صغيرة ورجال يلعبون الدومينو تحت الظل. صاح أحدهم
العروس الجديدة لتاديو! باركها الله!
لم تتوقف العربة بل صعدت في طريق ضيق يلتف صعودا نحو الجبال. اشتد البرد وامتلأ الهواء برائحة الأوراق الرطبة. ثم عند منعطف حاد رأت إلينا البيت.
كانت الشرفة تصدر صريرا حتى من بعيد وخلفها الوادي شق أسود في الأرض عميق غامض. وكان الهواء الصاعد منه يبدو كأنه زفير ثقيل كأن للوادي صدرا
يتنفس.
نزل السائق من العربة
خافت
هل تريدين أن أبقى في الانتظار
لم تجب لأن الباب انفتح في تلك اللحظة. خرج رجل طويل القامة يمسح يديه بقطعة قماش. كان تاديو. عريض الكتفين مهذب اللحية بعينين عميقتين تحملان ثقل تجارب كثيرة بلا ادعاء. خلع قبعته باحترام كأن إلينا أهم من خوفه.
السيدة إلينا قال بصوت هادئ أهلا بك.
نزلت إلينا وساقاها ترتجفان لكن كبرياءها ثابت. تبادلا نظرة قصيرة بدت طويلة.
شكرا لك يا سيد ألكانتارا.
حمل تاديو الحقيبة وقال
سأريك المنزل.
كان الداخل نظيفا دافئا مبنيا بيدين محبتين لكنه مأهول برجل واحد. طاولة خشبية متينة موقد حطب رائحة نشارة الخشب وزيت الكتان. غرفتان. ثم قال بصوت خال من أي تهديد
يمكنك الإقامة في الغرفة المجاورة. سيأتي كاهن القرية الأسبوع المقبل. لن أجبرك على شيء. وإن قررت الرحيل فلن يحاسبك أحد.
في تلك اللحظة أدركت إلينا أمرين أن هذا الرجل شريف وأنه خائف.
سأبقى قالت بثبات على الأقل حتى أعرفك.
مر الارتياح على وجه تاديو كوميض شمس خجول.
مرت الأيام الأولى كاتفاق صامت. كانت إلينا تنظف وتكنس وتخيط وتعد الطعام. وكان تاديو يعمل في ورشته وصوت الخشب تحت يديه يملأ المكان كصلاة. تناولا الطعام معا بصمت لكنه لم يعد صمتا خانقا بل راحة.
في إحدى الليالي سمعت إلينا صوتا غير صوت الرياح بكاء مكتوما خلف باب تاديو. لم يكن بكاء صاخبا بل أنين رجل يجاهد كي لا
ينكسر. جلست إلينا على سريرها تعانق شالها وفكرت لأول مرة لقد جئت لأبقى على قيد الحياة ودخلت جرح إنسان آخر.
بعد عشرة أيام جاءت دونيا أولاليا صاحبة متجر القرية امرأة صلبة البنية عركتها السنين ولم تكسرها بعينين يقظتين تعرفان أكثر مما تقولان ومنديل داكن يلف رأسها بإحكام. صعدت درجات الشرفة بقدمين ثابتتين غير عابئة بالصرير ولا بالفراغ الهائل خلفها ووقفت
قالت وهي تتفحص إلينا بنظرة فاحصة لا تخلو من إعجاب صامت