وهم الخلود الرقميّ

وهم الخلود الرقميّ

لمحة نيوز

وهم الخلود الرقميّ: من قصور عاد إلى خوارزميات ما بعد الموت

"وتتّخذون مصانع لعلّكم تخلدون" (الشعراء: 129)

منذ أن وعى الإنسان الموت، وهو يصنع أدوات مقاومته. بدأ بالنقوش على جدران الكهوف، ثمّ الأهرامات والمقابر الضخمة، مروراً بالتراكيب الطبيّة المُطيلة للحياة، وصولاً إلى الشريحة المزروعة في الدماغ. الخلود هو الشهوة الدفينة في كلّ حضارة، والقرآن واجهها بسؤال مباشر: "فهل أنتم خالدون؟"
ولعلّ من أغرب إعجاز القرآن أن تصف آية وحيدة – بكلمة واحدة لم تتكرّر بأيّة صيغة اشتقاقيّة في القرآن كلّه – مسيرة بشريّة كاملة تمتدّ من عصر عاد حتّى عصر الإنترنت. فكلمة "مصانع" التي وردت في آية واحدة دون مشتقّات (لا صَنَع، لا صانع، لا صناعة) تبدو عابرة للزمان بإعجاز لافت، كأنّها أُفردت لتكون مفتاحاً لفهم ظاهرة إنسانيّة متكرّرة: الغرور الصناعيّ المقترن بوهم الخلود.
هل كان الخطاب القرآنيّ لقوم عاد تاريخاً نقرأه ونعبره، أم أنّه، كحال معظم النصوص التأسيسيّة،

يخترق الأزمنة ويعبُر الحواجز ليصل إلينا؟ لقد فسر العلماء كلمة "مصانع على أنها قصور أو قلاع وبعد زمن أضافوا خزانات المياه الضخمة، والآن هل يتغير الحال؟ ذاك أنّ القراءة العصريّة لآية المصانع قد تكشف، لمن أراد التعمّق، مشهداً راهناً ومتجدّداً: الإنسان الرقميّ ومحاولاته الأخيرة للتحايل على الفناء.

من قصور عاد إلى أوهام التكنولوجيا

والحال أنّ قوم عاد، الذين عُرفوا بفرط القوّة وضخامة البنيان، وُصفوا بأنّهم "يتّخذون مصانع"، حيث المصانع هنا تشير إلى القصور العالية والمنشآت الضخمة وربّما آبار المياه. لكنّ المهمّ في الآية ليس الفعل، بل دافعه: "لعلّكم تخلدون". هكذا يُقرأ وهم الخلود كدافع مركزيّ لصناعة الخلد الموهوم.
وهذا النموذج يتكرّر في القرآن مع أنماط متعدّدة من الغرور الإنسانيّ: فرعون الذي صاح: "أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي" (الزخرف: 51)، وقارون الذي قال عن كنوزه: "إنّما أوتيته على علمٍ عندي" (القصص: 78). كلاهما – كقوم

عاد – انهار رغم أدوات السيطرة الماديّة التي اعتقد بخلودها.
لم يخطئ قوم عاد في بناء المصانع، بل في الوهم الكامن وراءها. والمعادلة القديمة، عندهم، كانت:
البناء المتين + القوّة = الخلود المُرتجى
هذا الدافع نفسه ظلّ طوال التاريخ البشريّ ثابتاً، ما تغيّر هو نوع "المصانع" التي تُبنى كفزّاعة في وجه الموت.

مصانع عصرنا: من السيليكون إلى ما بعد الموت

ويبدو أنّ ملاحقة آثار هذه الآية وتفاعلاتها المُحتملة في أزمنتنا الراهنة يدفعنا إلى "وادي السيليكون" و"مختبرات الذكاء الاصطناعيّ" و"شركات الهندسة البيولوجيّة" التي تتّخذها الرأسماليّة التكنولوجيّة مصانع جديدة لعلّها تخلد. وفي العصر الرقميّ أصبحت المعادلة:
الذكاء الاصطناعيّ + الهندسة الوراثيّة + الحوسبة البيولوجيّة = الخلود الرقميّ
ولنتوقّف قليلاً أمام بعض هذه "المصانع" المعاصرة، التي قد تبدو غريبة وغامضة لغير المتخصّصين:
١- مشروع "نيورالينك" الذي أسّسه إيلون ماسك، يهدف إلى زراعة شريحة في الدماغ

البشريّ تتيح ربطه مباشرة بالحواسيب، وبحسب تصريحات ماسك نفسه، فإنّ الهدف البعيد هو "تخزين العقل البشريّ رقميّاً" كي يتجاوز موت الجسد البيولوجيّ. ألا يشبه هذا تماماً وهم "لعلّكم تخلدون"؟
٢- تقنيّات "أفاتار الموتى" التي تطوّرها شركات ناشئة، وتعتمد على دراسة سجلّ الشخص الرقميّ (رسائله، منشوراته، محادثاته)، ثمّ محاكاة شخصيّته بواسطة الذكاء الاصطناعيّ، بحيث يمكن للأحياء التحدّث مع "النسخة الرقميّة" للميت كما لو كان لا يزال معهم. هكذا نشهد ولادة طبقة جديدة من الكائنات: الموتى-الأحياء رقميّاً، كأنّ الموت مجرّد "عطل تقنيّ" يمكن الالتفاف حوله.
٣- تقنيّات تجميد الجثث (كرايونكس) التي تدّعي إمكانيّة إعادة إحياء الموتى في المستقبل عندما تتطوّر التكنولوجيا الطبيّة بما يكفي. وهنا يُباع الوهم بشكل فجّ وتجاريّ: "نحن لا نبيعك الخلود، نحن فقط نبيعك فرصة أخرى".
٤- نظريّة "التفرّد التكنولوجيّ" التي يروّج لها راي كورزويل وغيره، وتدّعي أنّ البشريّة ستصل
إلى نقطة يتمكّن فيها

تم نسخ الرابط