لماذا نُهي النبي ﷺ عن استلقاء المسلم على ظهره مع رفع إحدى الرجلين على الأخرى؟
لماذا نُهي النبي ﷺ عن استلقاء المسلم على ظهره مع رفع إحدى الرجلين على الأخرى؟
من المسائل التي ورد فيها هدي نبوي يتعلق بآداب الجلوس والاستلقاء، ما جاء في هيئة استلقاء الإنسان على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى. وقد يتساءل البعض لماذا نهى النبي ﷺ عن هذه الهيئة؟ وهل النهي للتحريم أم للكراهة؟ وهل المقصود كل صور وضع الرجل على الرجل، أم أن هناك حالات معينة؟
والإجابة تحتاج إلى الرجوع إلى الأحاديث النبوية وفهمها في سياقها، بعيدًا عن بعض التفسيرات المنتشرة التي تنسب إلى السنة أسبابًا صحية أو اجتماعية دون دليل ثابت.
أولًا ماذا ورد عن النبي ﷺ؟
ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ رأى رجلًا مستلقيًا على ظهره، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، فنهى عن هذه الهيئة.
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى، وقد ورد هذا الحديث في صحيح مسلم.
وهذا يدل على أن هذه الهيئة كانت مما أرشد النبي ﷺ أصحابه إلى اجتنابه في بعض الأحوال.
كما ثبت أن النبي ﷺ نفسه استلقى أحيانًا ووضع إحدى رجليه على الأخرى، كما جاء في أحاديث صحيحة؛ ولذلك جمع العلماء بين الأحاديث بأن النهي ليس على إطلاقه، وأن هناك تفصيلًا في المسألة.
ثانيًا هل النهي للتحريم؟
ليس كل نهي وارد في السنة يدل بالضرورة على التحريم في جميع الأحوال. ولذلك اختلف العلماء في فهم هذه الأحاديث، وخاصة مع ثبوت أن النبي ﷺ فعل هيئة قريبة منها في بعض الروايات.
ومن أهم ما ذكره العلماء أن النهي قد يكون متعلقًا بكشف العورة؛ لأن الإنسان إذا استلقى ورفع إحدى رجليه فوق الأخرى فقد تنكشف عورته، خصوصًا إذا كان يرتدي ثوبًا واسعًا أو كان جالسًا في مكان لا يأمن فيه انكشاف شيء من جسده.
وقد جاء في بعض الروايات أن النبي ﷺ كان مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
ومن هنا قال العلماء إن الجمع بين الأحاديث يكون بحمل النهي على الحالة التي يُخشى فيها انكشاف العورة أو عدم أمن ذلك، بينما لا حرج إذا كانت العورة مستورة وكان الإنسان يأمن انكشافها.
ثالثًا لماذا كانت العورة محل اهتمام كبير في السنة؟
الإسلام دين الحياء، وقد جعل ستر العورة من الآداب والواجبات التي ينبغي للمسلم المحافظة عليها.
والنبي ﷺ لم يكن يعلم أصحابه العبادات فقط، بل كان يعلمهم أيضًا آداب الحياة اليومية؛ لأن المسلم مطالب بأن يكون محافظًا على الحياء في كل أحواله.
وقد قال الله تعالى
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾.
فاللباس في الإسلام ليس مجرد وسيلة للحماية من البرد والحر، وإنما هو أيضًا وسيلة لستر الجسد وحفظ الحياء.
ولهذا ينبغي للمسلم عندما يجلس أو يستلقي أن ينتبه إلى ثيابه، وألا يتخذ هيئة يمكن أن تؤدي إلى انكشاف عورته.
رابعًا هل وضع الرجل على الرجل ممنوع دائمًا؟
لا.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن بعض الناس يفهم الحديث على أنه تحريم مطلق لكل صورة من صور وضع إحدى الرجلين فوق الأخرى، وهذا ليس دقيقًا.
فقد وردت أحاديث صحيحة تدل على أن النبي ﷺ استلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى.
ومن أشهر ما ورد في ذلك حديث عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى.
ولهذا ذكر أهل العلم أن المسألة فيها تفصيل.
فإذا كان وضع إحدى الرجلين على الأخرى يؤدي إلى كشف العورة، أو كان الإنسان لا يأمن انكشافها، فهنا ينبغي اجتناب هذه الهيئة.
أما إذا كانت العورة مستورة تمامًا، وكان الإنسان يأمن انكشافها، فلا يصح أن يقال إن مجرد وضع الرجل على الأخرى حرام في جميع الأحوال.
خامسًا ما الحكمة من النهي؟
الحكمة الأساسية التي ذكرها العلماء هي الاحتياط للستر وصيانة العورة.
فالإنسان عندما يستلقي قد يتحرك ثوبه دون أن يشعر، وخاصة إذا كان يرتدي ثوبًا واسعًا، وقد تؤدي بعض الحركات إلى ظهور ما يجب ستره.
والشريعة الإسلامية تهتم بسد أبواب انكشاف العورة، ولذلك جاءت السنة بالتنبيه إلى بعض الهيئات التي قد تؤدي إلى ذلك.
وهذا لا يعني أن كل شخص يستلقي بهذه الطريقة سيقع حتمًا