لماذا لا نربي البومه ؟
ولا يوجد في طبيعتها ما يجعلها مرتبطة بالشر أو المصائب.
وقد ربطت بعض الثقافات القديمة بين البومة والتشاؤم، خصوصًا لأنها تظهر في الليل وتصدر أصواتًا قد تبدو مخيفة لبعض الناس.
لكن هذا لا يعني أن وجود البومة نذير شؤم.
فالليل بالنسبة للبومة هو الوقت الطبيعي للنشاط، تمامًا كما أن النهار بالنسبة للإنسان وقت العمل والحركة.
هل نقول إن الشمس سيئة لأنها توقظنا في الصباح؟
بالطبع لا.
إذن لماذا نحكم على البومة بسبب أنها تتحرك في الليل؟
الإسلام يحارب التشاؤم
الإسلام جاء ليحرر الإنسان من الخرافات والأوهام.
وقد قال النبي ﷺ:
«لا عدوى ولا طيرة»
والطيرة هي التشاؤم بالطيور أو غيرها.
ومن الخطأ أن يعتقد الإنسان أن طائرًا معينًا يجلب له الفقر أو الموت أو المصائب لمجرد ظهوره أمام منزله.
الأحداث بيد الله سبحانه وتعالى، ولا ينبغي أن نعلق قلوبنا بالخرافات.
والبومة مخلوق من مخلوقات الله، لها مكانها في الطبيعة، وتؤدي وظيفة بيئية مهمة.
ماذا تفعل البومة في الطبيعة؟
قد لا ننتبه إلى ذلك، لكن البوم يساعد في السيطرة على أعداد بعض القوارض والحيوانات الصغيرة.
وهذا يعني أن وجوده في البيئة ليس عبثًا.
فلو اختفى نوع من الكائنات، قد تتغير العلاقات بين الكائنات الأخرى.
وهنا نرى شيئًا مهمًا جدًا:
المخلوق الذي يخاف منه الإنسان أحيانًا قد يكون له دور نافع في الطبيعة.
وهذه قاعدة يمكن أن نراها في كثير من المخلوقات.
فليس مطلوبًا من كل حيوان أن يكون جميلًا في أعيننا أو مناسبًا للتربية المنزلية حتى يكون له دور مهم.
البومة لا تعرف أنها "مخيفة"
قد ينظر الإنسان إلى البومة ويقول: عيناها مخيفتان!
لكن بالنسبة إلى البومة، هذه هي طبيعتها التي خلقها الله عليها.
هي لا تنظر إلى نفسها في المرآة وتقول: هل شكلي جميل؟
ولا تعرف شيئًا عن تصورات البشر القديمة تجاهها.
هي فقط تعيش وفق الغرائز والوظائف التي وهبها الله لها.
وهنا تأتي لمسة تأملية جميلة:
كم من مخلوق نكرهه لأننا لم نفهمه؟
وكم من شيء نخشاه بسبب قصة قديمة تناقلها الناس دون دليل؟
لكل مخلوق مكانه
من أجمل المعاني التي يمكن أن نتعلمها من البومة أن الله سبحانه وتعالى خلق الكائنات في بيئات مختلفة.
السمكة لها عالمها في الماء.
والطائر له عالمه في السماء والأشجار.
والحيوانات البرية لها بيئاتها.
والإنسان له بيته ومجتمعه.
وليس معنى أن الإنسان يستطيع الإمساك بمخلوق أن ذلك المخلوق مناسب لأن يعيش معه داخل المنزل.
فمحبة الحيوانات لا تعني بالضرورة امتلاكها.
أحيانًا تكون أفضل طريقة لمحبة الحيوان هي تركه يعيش في بيئته الطبيعية.
هل يمكن تربية البومة مطلقًا؟
توجد أماكن متخصصة يمكن أن تتعامل مع الطيور الجارحة وفق خبرة وتجهيزات مناسبة، مثل بعض مراكز إنقاذ وتأهيل الحياة البرية.
لكن بالنسبة للشخص العادي الذي يريد حيوانًا أليفًا في المنزل، فإن البومة ليست اختيارًا مناسبًا.
فهي تحتاج إلى رعاية متخصصة، وغذاء مناسب، ومساحة وحركة، ومعرفة بسلوك الطيور الجارحة، كما أن القوانين المتعلقة بامتلاك الطيور البرية تختلف من بلد إلى آخر.
لذلك إذا وجد شخص بومة مصابة أو صغيرة سقطت من عشها، فمن الأفضل عدم التعامل معها بعشوائية، وإنما التواصل مع جهة مختصة بالحياة البرية أو طبيب بيطري لديه خبرة في الطيور.
ماذا نتعلم من البومة؟
حين يتأمل الإنسان البومة بعيدًا عن الخرافات، سيجد أمامه درسًا عظيمًا في النظام.
طائر يعيش في الليل.
عيون كبيرة للرؤية.
سمع دقيق.
مخالب للصيد.
ريش يساعده على الطيران.
وغذاء يتناسب مع دوره في البيئة.
كل هذه الصفات اجتمعت في مخلوق واحد.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿مَا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾
[الملك: 3]
فالإنسان عندما ينظر إلى مخلوقات الله بعين التأمل، لا يرى مجرد أشكال وألوان، بل يرى نظامًا وترابطًا وتنوعًا.
الخلاصة 🦉
نحن لا نربي البومة في المنزل عادةً لأنها طائر بري جارح له احتياجات وسلوكيات خاصة، وليس طائرًا منزليًا مناسبًا للتربية العادية.
لكن هذا لا يعني أنها طائر شرير أو أنها تجلب النحس والمصائب.
هذه أفكار خرافية لا ينبغي أن تتحكم في نظرة الإنسان إلى مخلوقات الله.
والبومة في الحقيقة مخلوق عجيب، خلقها الله بقدرات تتناسب مع حياتها الليلية، وجعل لها دورًا في التوازن البيئي.
وربما يكون الدرس الأجمل هنا أن نتعلم أن ليس كل مخلوق خلقه الله لكي نضعه في بيوتنا؛ بعض المخلوقات خُلقت لتعيش في البرية، وتؤدي دورها هناك.
وكما كان مصطفى محمود رحمه الله يدعو الإنسان إلى النظر خلف الظواهر، يمكننا أن ننظر إلى البومة لا باعتبارها رمزًا للخوف والتشاؤم، بل باعتبارها صفحة صغيرة من كتاب الخلق الكبير؛ كلما تأملناها ازددنا إدراكًا لعظمة الخالق سبحانه وتعالى.