على من تجب رعاية الوالدة المسنة أبنائها الذكور أم الإناث؟

لمحة نيوز

فالمرأة بعد الزواج تصبح لها مسؤوليات تجاه زوجها وأولادها وبيتها، ولذلك يجب أن تراعي هذه المسؤوليات عند تنظيم رعاية والدتها.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي للزوج أن يمنع زوجته من بر أمها ومساعدتها فيما تستطيع، ما دام ذلك لا يترتب عليه تضييع حقوق واجبة.

والحل الأفضل هو التفاهم والتوازن، لا تحويل الأمر إلى صراع بين الزوجة وأهلها أو بينها وبين إخوتها.

هل الابن الذي يسكن بعيدًا معذور؟

قد يكون أحد الأبناء مقيمًا في مدينة أخرى أو دولة أخرى، ولا يستطيع الحضور بصورة يومية.

وهذا لا يعني أنه معفى من البر، لكنه يستطيع تقديم المساعدة بطرق أخرى.

يمكنه أن يساهم في تكاليف الرعاية، أو يدفع تكلفة ممرضة أو مقدمة رعاية، أو يتابع علاج والدته، أو يزور في أقرب فرصة، أو يتواصل معها باستمرار.

فالمطلوب هو بذل الوسع، وليس تحقيق المستحيل.

قال الله تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].

ماذا لو كان أحد الأبناء أكثر قدرة من الآخرين؟

ينبغي مراعاة القدرة والاستطاعة.

فليس من العدل أن يُطلب من ابن دخله محدود أن يتحمل ما يتحمله أخوه الميسور، وليس من العدل أيضًا أن يتحمل ابن واحد كل تكاليف الأم بينما بقية الأبناء قادرون على المشاركة ولا يفعلون.

والواجب هو التعاون والتراحم.

وقد تكون مشاركة أحد الأبناء بالمال، ومشاركة آخر بالوقت، ومشاركة ثالث بالخدمة، وكل ذلك يدخل في البر.

ماذا لو اختلف الأبناء على من يرعى الأم؟

هذا من أكثر الأمور التي تحتاج إلى الحكمة.

فإذا حدث خلاف، ينبغي ألا تتحول الأم إلى سبب للخصام بين أبنائها.

الأصل أن يجتمع الأبناء ويتحدثوا بهدوء، ويحددوا احتياجات الأم الحقيقية، ثم يوزعوا المهام بحسب قدرة كل شخص.

وإذا تعذر الاتفاق، فيمكن الاستعانة بأحد أهل العلم الموثوقين أو أحد كبار الأسرة ممن يستطيع الإصلاح بينهم.

والأهم ألا يسمع الأبناء أمهم عبارات مثل: "أنتِ مسؤولية أخيك"، أو "أختك هي التي يجب أن تخدمك"، لأن ذلك قد يسبب لها حزنًا شديدًا في مرحلة عمرية تحتاج فيها إلى الطمأنينة.

رعاية الأم ليست منّة

من المؤسف أن يشعر بعض الأبناء أنهم عندما يخدمون أمهم فإنهم يقدمون لها معروفًا.

والحقيقة أن الأم قدمت لأبنائها الكثير عندما كانوا صغارًا، وسهرت عليهم وتعبت من أجلهم.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: 15].

ولهذا ينبغي أن تكون رعاية الأم عند كبرها فرصة لرد بعض جميلها، لا عبئًا يتمنى الأبناء التخلص منه.

فضل رعاية الوالدين

بر الوالدين من أعظم أبواب الأجر.

وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يستأذنه في الجهاد، فسأله النبي ﷺ: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد».

وهذا يبين عظمة بر الوالدين، وأن خدمة الوالدين ورعايتهما قد تكون من أفضل الأعمال عندما يحتاجان إلى ذلك.

كما أن الأم لها مكانة عظيمة خاصة، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال ﷺ: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك».

وهذا يوضح عظيم حق الأم ومكانتها.

هل يجب على الأبناء جميعًا أن يعيشوا مع الأم؟

ليس بالضرورة.

ليس شرطًا أن يسكن جميع الأبناء مع الأم حتى يكونوا بارين بها.

قد يكون الأفضل أحيانًا أن تسكن الأم في منزل مستقل ومريح، مع وجود أحد الأبناء بالقرب منها، أو أن تتناوب الأسرة على رعايتها، أو أن يتم توفير شخص يساعدها في المنزل.

المهم أن تتحقق حاجتها إلى الأمان والرعاية، وألا تُترك وحدها إذا كانت عاجزة عن تدبير شؤونها.

الخلاصة

عند السؤال: على من تجب رعاية الوالدة المسنة، أبنائها الذكور أم الإناث؟ فالإجابة ليست أن الذكور وحدهم مسؤولون، ولا أن الإناث وحدهن مسؤولات.

بل بر الأم ورعايتها واجب على جميع الأبناء بحسب الاستطاعة والقدرة والحاجة والظروف.

فالابن القادر على الإنفاق ينبغي ألا يبخل، والبنت القادرة على الخدمة ينبغي ألا تتأخر، ومن لا يستطيع الحضور يمكنه أن يساعد بالمال أو بتوفير من يقوم بالرعاية أو بوسائل أخرى.

ولا ينبغي أن تكون رعاية الأم سببًا للخصام بين الأبناء، بل ينبغي أن تكون سببًا في اجتماعهم وتعاونهم.

فإذا كانت الأم المسنة تحتاج إلى خدمة يومية، فليتعاون الأبناء على توفيرها. وإذا كانت تحتاج إلى العلاج، فليشارك القادرون في تكاليفه. وإذا كانت تحتاج إلى الصحبة والاهتمام، فليخصص كل ابن وابنة وقتًا لزيارتها والحديث معها.

والأهم أن يتذكر الأبناء أن الأم عندما تكبر لا تحتاج إلى المال وحده، وإنما تحتاج إلى الشعور بالأمان والحب والتقدير.

فليست المسألة: "هل المسؤول الابن أم البنت؟"، وإنما السؤال الأجمل والأصح هو: "ماذا أستطيع أن أفعل لأمي اليوم قبل أن يأتي يوم لا أستطيع فيه أن أفعل لها شيئًا؟"

وقد قال الله تعالى:

﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

فمن رزقه الله أمًا مسنة، فليغتنم وجودها، وليحسن إليها، وليجعل خدمتها بابًا من أبواب الجنة، وليعلم أن الأيام تمضي سريعًا، وأن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيل والديه هو أنه لم يقصر في حقهما عندما كان يستطيع البر والإحسان.

تم نسخ الرابط