على من تجب رعاية الوالدة المسنة أبنائها الذكور أم الإناث؟
على من تجب رعاية الوالدة المسنة: أبنائها الذكور أم الإناث؟
تُعد رعاية الوالدين وبرهما من أعظم القربات إلى الله تعالى، وقد قرن الله سبحانه وتعالى الإحسان إلى الوالدين بعبادته وتوحيده في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. ومع تقدم الوالدين في العمر، قد يحتاجان إلى مزيد من الرعاية والاهتمام، وقد يثور خلاف داخل الأسرة حول المسؤول عن رعاية الأم المسنة: هل تقع المسؤولية على الأبناء الذكور فقط؟ أم على البنات فقط؟ أم أن الأمر مسؤولية مشتركة بين جميع الأبناء؟
والحقيقة أن المسألة لا تُبنى على كون الابن ذكرًا أو أن البنت أنثى فقط، وإنما ينظر فيها إلى قدرة كل واحد من الأبناء، وحاجة الأم، وظروف الأسرة، ووجود من يستطيع القيام بالرعاية المباشرة أو الإنفاق عليها.
بر الوالدين واجب على الأبناء جميعًا
أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين من غير أن يخص الذكور دون الإناث أو الإناث دون الذكور.
قال سبحانه:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
وقال تعالى:
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8].
فالآيات تشمل الأبناء والبنات، وكل من كان قادرًا على بر والديه ومساعدتهما فهو مطالب بذلك.
ولا يصح أن يقول الابن: "هذه أمور تخص البنات"، كما لا يصح أن تقول البنت: "وجود إخوتي الذكور يعفيني تمامًا من رعاية أمي".
فالأصل أن بر الأم مسؤولية أخلاقية وشرعية يشترك فيها جميع الأبناء بحسب استطاعتهم.
هل الرعاية واجبة على الأبناء الذكور أكثر من الإناث؟
لا توجد قاعدة شرعية عامة تقول إن رعاية الأم المسنة واجبة على الذكور وحدهم لمجرد كونهم ذكورًا، ولا توجد قاعدة تقول إن البنات هن المسؤولات وحدهن لمجرد أنهن أقرب إلى أعمال الرعاية المنزلية.
لكن قد تختلف طبيعة المسؤولية بحسب الظروف.
فإذا كانت الأم تحتاج إلى نفقة، وكان الأبناء قادرين على الإنفاق، فقد تكون النفقة واجبة على من تلزمه شرعًا بحسب حال الأم وحال الأبناء، وقد يشترك القادرون في تحملها بحسب ما يقرره أهل العلم والظروف الواقعية.
أما الرعاية اليومية، مثل إعداد الطعام، ومرافقة الأم للطبيب، وتنظيم شؤونها، والجلوس معها، ومساعدتها في احتياجاتها، فهذه أمور ينبغي أن يتعاون فيها الأبناء، وكل واحد يقدم ما يستطيع.
لماذا يعتقد البعض أن البنات هن المسؤولات؟
يرجع ذلك في كثير من الأحيان إلى العادات الاجتماعية؛ فالبنت قد تكون أكثر قدرة على القيام ببعض الأعمال المنزلية أو الرعاية الشخصية، ولذلك قد تجد الأسرة أن وجودها بجانب الأم أسهل في بعض الحالات.
لكن هذا لا يعني أن البنت أصبحت مسؤولة وحدها عن أمها.
فإذا كانت البنت متزوجة ولها بيت وأطفال ومسؤوليات، فقد لا تستطيع الإقامة مع أمها أو رعايتها طوال اليوم، بينما يستطيع أخوها أن يتحمل جانبًا من النفقة أو يوفر من يساعد الأم أو يتناوب معها في زيارتها.
ومن هنا تظهر أهمية التعاون بدلًا من إلقاء المسؤولية على شخص واحد.
وماذا عن الأبناء الذكور؟
الأبناء الذكور مطالبون ببر أمهم ورعايتها ومساعدتها، ولا يجوز لأحدهم أن يتنصل من مسؤوليته بحجة أن لديه أخوات.
بل إن الابن يستطيع أن يقدم لأمه صورًا كثيرة من البر، مثل توفير احتياجاتها، وتحمل تكاليف العلاج، وتوفير مسكن مناسب لها، ومتابعة شؤونها، ومرافقتها إلى الطبيب، والاتصال بها باستمرار، والحرص على ألا تشعر بالوحدة.
وقد يكون الابن هو الأقدر ماليًا على تحمل بعض النفقات، بينما تكون أخته أقدر على الرعاية اليومية، فيتعاون الاثنان بدلًا من أن يتخاصما حول من يتحمل المسؤولية.
إذا كانت الأم تحتاج إلى خدمة شخصية
قد تصل الأم المسنة إلى مرحلة تحتاج فيها إلى مساعدة في أمور خاصة جدًا، وهنا ينبغي مراعاة خصوصية المرأة وكرامتها.
فإذا كانت البنت تستطيع القيام ببعض هذه الأمور دون مشقة كبيرة، فقد يكون ذلك مناسبًا لها، بينما يقوم الأبناء الذكور بمهام أخرى مثل الإنفاق والعلاج وتوفير الاحتياجات.
لكن إذا لم توجد بنت قادرة على ذلك، فلا يجوز ترك الأم دون رعاية بحجة أن الأمر "مسؤولية النساء".
يمكن للأسرة الاستعانة بمقدمة رعاية مناسبة، أو ترتيب الرعاية بين الأبناء، بحسب الحاجة والإمكانات.
هل يجوز أن يتفق الأبناء على تقسيم الرعاية؟
نعم، بل هذا من أفضل الحلول في كثير من الحالات.
يمكن للأبناء أن يضعوا جدولًا للرعاية، بحيث يخصص كل واحد منهم جزءًا من وقته.
فمثلًا:
- أحد الأبناء يتولى تكاليف العلاج والأدوية.
- أحد الأبناء يتابع المواعيد الطبية.
- إحدى البنات تهتم بالطعام والاحتياجات المنزلية.
- ابن آخر يزور الأم يوميًا أو عدة مرات في الأسبوع.
- ويمكن للجميع الاشتراك في تكلفة مَن يساعد الأم إذا كانت تحتاج إلى رعاية مستمرة.
وهذا أفضل بكثير من ترك المسؤولية على شخص واحد حتى يتعب ثم يشعر بالظلم والغضب تجاه بقية إخوته.
هل المال يعوض عن رعاية الأم؟
المال مهم إذا كانت الأم تحتاج إلى نفقة أو علاج أو مساعدة، لكنه لا يعوض دائمًا عن الحضور والاهتمام.
فالأم المسنة قد تكون في حاجة إلى شخص يسمعها، ويطمئن عليها، ويجلس معها، ويشعرها بأنها ليست عبئًا على أولادها.
وقد يكون الابن قادرًا على دفع مبالغ كبيرة، لكنه لا يتصل بأمه ولا يزورها، بينما تكون أخته بجوارها كل يوم.
والبر ليس مالًا فقط، وليس خدمة بدنية فقط، وإنما هو منظومة كاملة من الرحمة والاهتمام والقول الحسن والمساعدة بحسب الاستطاعة.
قال الله تعالى:
﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
هل زواج البنت يسقط مسؤوليتها عن أمها؟
زواج البنت لا يعني أن عليها أن تهمل أمها، لكنه قد يغيّر قدرتها على الرعاية المباشرة.