لماذا يقوم المأذون بتغطية أيدي العروسين أثناء كتابة عقد الزواج؟
الأصل في العادات الاجتماعية الإباحة ما لم تتضمن مخالفة شرعية.
فإقامة وليمة الزواج، وارتداء الملابس الجميلة، وتزيين المكان، وإظهار الفرح، واجتماع الأهل والأصدقاء، كلها أمور يمكن أن تكون مباحة ما دامت خالية من المحرمات.
لكن المشكلة تحدث عندما يعتقد الناس أن عادة معينة واجبة شرعًا أو سنة مؤكدة دون دليل.
فمثلاً إذا اعتاد الناس تغطية أيدي العروسين، فلا يصح أن يقال لمن لم يفعل ذلك إن عقد زواجه ناقص أو غير صحيح.
لماذا تنتشر مثل هذه المعتقدات؟
تنتشر بعض العادات بسبب انتقالها من جيل إلى آخر.
فالطفل يشاهد والديه وأقاربه يفعلون شيئًا في حفلات الزواج، وعندما يكبر يفعله هو أيضًا، ثم ينتقل الأمر إلى الجيل التالي.
ومع مرور الوقت قد ينسى الناس أصل العادة، ويبدأ البعض في إعطائها تفسيرًا دينيًا، رغم أنها قد تكون مجرد تقليد اجتماعي.
ولهذا فإن الشهرة ليست دليلًا على المشروعية.
فقد تكون العادة منتشرة جدًا، ومع ذلك لا تكون سنة.
ماذا ينبغي أن يفعل المسلم عند سماع معلومة دينية؟
ينبغي أن يتحقق منها قبل نشرها.
فإذا قيل مثلًا: "إن تغطية أيدي العروسين سنة عن النبي ﷺ"، فلا ينبغي أن نكررها مباشرة، بل نسأل: أين الدليل؟ وهل ورد حديث صحيح في ذلك؟
والدين أمانة، ونسبة شيء إلى النبي ﷺ أمر عظيم.
وقد قال النبي ﷺ:
«من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
ولهذا يجب أن نكون حذرين عند تداول الأحاديث والسنن، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
هل للمأذون دور شرعي أم قانوني؟
المأذون في كثير من البلدان يقوم بدور مهم في توثيق الزواج واستكمال إجراءاته الرسمية، وقد تكون له كذلك مهام مرتبطة بالجانب الشرعي بحسب النظام المتبع.
لكن ليس كل ما يقوم به المأذون في أثناء مراسم الزواج حكمًا شرعيًا.
فقد يقوم بعض المأذونين بأمور شكلية أو رمزية اعتادها الناس، وقد يختلف ذلك من منطقة إلى أخرى.
ولذلك لا ينبغي أن نعتبر كل حركة يقوم بها المأذون جزءًا من أركان الزواج أو سننه.
الأهم من تغطية الأيدي هو حفظ حقوق الزوجين
قد يهتم البعض بتفاصيل شكلية في حفل الزواج، بينما يغفل عن الأمور الأساسية التي ينبغي أن يهتم بها الزوجان.
فالزواج ليس صورة تذكارية أو لحظة احتفال فقط، وإنما مسؤولية طويلة الأمد.
ينبغي للزوج أن يعرف حقوق زوجته، وأن يعاملها بالمعروف، وأن ينفق عليها بالقدر الواجب، وأن يحفظ كرامتها.
وينبغي للزوجة أيضًا أن تعرف حقوق زوجها، وأن تقوم بما أوجب الله عليها، وأن يتعاون الطرفان على بناء بيت يسوده الاحترام والرحمة.
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
وهذه الآية تلخص الهدف العظيم من الزواج: السكن والمودة والرحمة.
هل يجوز الاستمرار في هذه العادة؟
إذا كانت تغطية أيدي العروسين مجرد عادة اجتماعية، ولا يعتقد الناس أنها سنة واجبة، ولا تشتمل على محرم أو ضرر، فلا ينبغي أن يُجعل مجرد وجودها مشكلة في حد ذاته.
لكن الأفضل ألا تُنسب إلى الشرع ما لم يثبت أنها من الشرع.
فيمكن أن يقول الناس: "هذه عادة متوارثة في حفلات الزواج"، بدلًا من القول: "هذه سنة نبوية".
وهذا يجعل المسلم أكثر دقة في كلامه عن الدين.
الخلاصة
إذن، لماذا يقوم بعض المأذونين بتغطية أيدي العروسين أثناء كتابة عقد الزواج؟
الجواب أن ذلك في الغالب عادة اجتماعية أو تقليد متوارث، وقد يحمل عند بعض الناس معنى رمزيًا مثل الارتباط وبداية الحياة الزوجية، لكنه ليس ركنًا ولا شرطًا لصحة عقد الزواج، ولا توجد سنة صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ تجعل تغطية أيدي العروسين جزءًا من عقد الزواج.
فالزواج الصحيح لا يتوقف على قطعة قماش، ولا على وضع يد فوق يد، وإنما يتوقف على استيفاء الشروط والأركان المعتبرة شرعًا، مع وجود الإيجاب والقبول والرضا والشهود والولي عند جمهور أهل العلم، وانتفاء الموانع.
ولهذا إذا رأيت المأذون يغطي أيدي العروسين، فلا حرج في معرفة أن هذا تقليد وليس عبادة، ما لم يُعتقد أنه سنة شرعية ثابتة.
والدرس الأهم هو أن نفرق دائمًا بين الدين والعادات الاجتماعية؛ فالدين يحتاج إلى دليل، أما العادات فالأصل فيها الإباحة ما لم تخالف الشرع.
وفي النهاية، أجمل ما يمكن أن يغطي أيدي العروسين ليس القماش، وإنما المودة والرحمة والاحترام وحسن العشرة، فهي التي تجعل الزواج ناجحًا وتبني بيتًا مستقرًا.
قال الله تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فليكن عقد الزواج بداية عهد بالطاعة والمسؤولية، وليكن الهدف منه بناء أسرة صالحة يسودها الحب والرحمة والتعاون، لا مجرد الاهتمام بالمظاهر والطقوس التي لا أصل لها في الشرع.