ما هو الشيء المذكور في القرآن مرة ككذبة، ومرة كدليل، ومرة كعلاج؟
التي يبينها القرآن في قصص الأنبياء الإيمان علاقة مستقلة بين الإنسان وربه، ولا يمكن للإنسان أن يعتمد على نسبه أو قرابته من الصالحين.
زوجة لوط نموذج للتحذير
ذكر الله تعالى زوجة نوح وزوجة لوط في سورة التحريم نموذجًا لمن لم تنفعهما صلتهما بزوجيهما النبيين.
قال الله تعالى
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ التحريم 10.
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن القرب من الصالحين لا يكفي وحده للنجاة.
فقد تكون المرأة زوجة نبي، ومع ذلك لا تكون من أهل الإيمان. وقد يكون الإنسان بعيدًا عن الأنبياء في النسب، لكنه يكون من المؤمنين الصالحين.
ما المقصود بالخيانة في الآية؟
عندما قال الله تعالى عن زوجتي نوح ولوط ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، لا يعني ذلك الخيانة الزوجية المعروفة، وإنما المقصود الخيانة في الدين والموقف من الدعوة.
فزوجة لوط لم تكن امرأة صالحة تؤمن برسالته، بل كانت على موقف قومها، وورد في التفسير أنها كانت تدل قومها على ضيوف لوط. وقد ذكرت التفاسير أن خيانتها كانت في الدين، لا في العرض.
وهذا التفريق مهم جدًا، لأن بعض الناس قد يفهم كلمة خيانة في الآية فهمًا خاطئًا.
العذاب الذي نزل بقوم لوط
كان عذاب قوم لوط شديدًا ومتنوعًا، فقد جعل الله عالي قريتهم سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل.
قال تعالى
﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ هود 82.
كما قال تعالى
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ هود 8283.
وقد كان هذا العذاب نتيجة إصرارهم على التكذيب والفساد والمعصية بعد قيام الحجة عليهم.
أما لوط عليه السلام، فقد نجاه الله مع المؤمنين من أهله، واستثنى زوجته لأنها لم تكن من أهل الإيمان.
أهم درس لا يغني النسب عن الإيمان
من أعظم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من قصة زوجة لوط أن الإنسان لا ينبغي أن يعتمد على نسبه أو أسرته أو قربه من أهل الصلاح.
فزوجة لوط كانت في بيت نبي، تسمع الوحي وتعيش مع رجل صالح، ومع ذلك لم ينفعها ذلك عندما اختارت طريق الكفر.
وفي المقابل، فإن الإنسان الذي يؤمن بالله ويعمل صالحًا له مكانته عند الله، مهما كان أصله أو نسبه.
ولهذا قال الله تعالى
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات 13.
فالمعيار الحقيقي هو التقوى والإيمان والعمل الصالح.
لماذا يجب أن نتحقق من القصص المنتشرة؟
تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عناوين مثيرة مثل النبي الذي أحرقت الملائكة زوجته أمام عينيه، وقد تكون هذه العناوين جذابة للقراء، لكنها أحيانًا تضيف تفاصيل لا توجد في النصوص الشرعية.
ولهذا ينبغي عند الحديث عن قصص الأنبياء أن نفرق بين ثلاثة أمور
ما ثبت في القرآن الكريم.
ما ثبت في السنة الصحيحة.
الروايات التي ذكرت في كتب التفسير والتاريخ ولا يصح الجزم بها دون دليل صحيح.
وقصص الأنبياء ليست مجالًا لإضافة التفاصيل بهدف الإثارة، لأنها تتعلق بأمور دينية يجب فيها التثبت.
الخاتمة
إذن، إذا كان المقصود بالسؤال من هو النبي الذي أهلك الله زوجته أمام قومه بسبب كفرها وموقفها منهم؟ فالمقصود هو لوط عليه السلام.
أما عبارة النبي الذي أحرقت الملائكة زوجته أمامه فهي غير دقيقة، ولا ينبغي الجزم بها بهذه الصورة. الثابت أن الملائكة أخبرت لوطًا عليه السلام أن زوجته سيصيبها ما يصيب قومه، وأنها كانت من الغابرين، ثم نجا لوط ومن آمن معه، وهلكت زوجته مع الهالكين.
وتبقى قصة لوط عليه السلام وزوجته درسًا عظيمًا في أن الإيمان لا يقوم على النسب، وأن الإنسان مسؤول عن اختياره وعمله، وأن القرب من الصالحين لا يغني عن طاعة الله.
كما تعلمنا القصة ضرورة التثبت من المعلومات الدينية قبل نشرها، خصوصًا القصص التي تتعلق بالأنبياء والملائكة وعذاب الأمم السابقة. فما ثبت عن الله ورسوله نقبله ونؤمن به، وما لم يثبت فلا ننسبه إلى الدين على سبيل القطع.
فالقرآن الكريم حين قص علينا هذه الأحداث لم يكن هدفه مجرد سرد قصة تاريخية، وإنما دعانا إلى الاعتبار والتدبر، قال تعالى
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يوسف 111.
وهذه هي الغاية الأهم من قصص الأنبياء أن نتعلم منها، ونقوي إيماننا، ونبتعد عن طريق الظلم والمعصية، ونثبت على الحق مهما كانت الظروف.