لماذا نصلي الظهر والعصر سـراً في حين أنـه ورد في القرآن قوله تعالى: ولا تجـهر بصلاتك ولا تخـافت بها؟

لمحة نيوز

لماذا نصلي الظهر والعصر سرًّا مع قوله تعالى: «ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها»؟

من الأسئلة التي تتكرر عند الحديث عن الصلاة: لماذا نصلي الظهر والعصر سرًّا، بينما نصلي الفجر والمغرب والعشاء جهرًا في بعض الركعات؟ وإذا كان الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾، فكيف نفهم هذه الآية مع كون بعض الصلوات جهرية وبعضها سرية؟

لفهم هذه المسألة ينبغي أولًا معرفة أن القرآن الكريم لم يذكر بالتفصيل عدد ركعات كل صلاة ولا مقدار القراءة فيها ولا جميع صفات أدائها، وإنما جاءت السنة النبوية لتبين كيفية الصلاة التي أمر الله بها.

أولًا: ماذا تعني الآية: «ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها»؟

قال الله تعالى في سورة الإسراء:

﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾.

وقد ذكر أهل التفسير أقوالًا متعددة في معنى هذه الآية.

ومن أشهر ما قيل فيها أنها تتعلق بالقراءة في الصلاة، أي ألا يرفع النبي ﷺ صوته رفعًا شديدًا بحيث يؤذي أو يلفت المشركين، وألا يخفضه خفضًا شديدًا بحيث لا يسمعه من وراءه، وإنما يختار طريقًا وسطًا.

وهذا المعنى تؤيده الآية التي بعدها، حيث قال الله تعالى:

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا...﴾.

وقد وردت تفسيرات أخرى للسياق، ولذلك لا يصح أن نجعل الآية وحدها دليلًا على أن جميع الصلوات يجب أن تكون سرية أو أن جميعها يجب أن تكون جهرية.

ثانيًا: هل معنى «ولا تجهر» أن الصلاة كلها تكون سرية؟

لا.

فالآية لا تعني أن المسلم ممنوع من الجهر في الصلاة مطلقًا، لأن النبي ﷺ ثبت عنه أنه كان يجهر بالقراءة في بعض الصلوات، مثل صلاة الفجر، والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء.

وهذا أمر ثابت بالسنة النبوية العملية.

وقد قال النبي ﷺ لأصحابه: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فصفة الصلاة أخذها الصحابة عن النبي ﷺ، ثم نقلوها إلى من بعدهم.

ولهذا فإن السنة هي التي بينت لنا أن هناك صلوات جهرية وصلوات سرية.

ثالثًا: لماذا نصلي الظهر والعصر سرًّا؟

من السنة الثابتة أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر والعصر سرًّا، أي لا يرفع صوته بالقراءة كما يرفع في صلاة الفجر والمغرب والعشاء.

وهذا من الأمور التي ثبتت بالنقل العملي عن النبي ﷺ، وتناقلها المسلمون جيلًا بعد جيل.

ولذلك فصلاة الظهر والعصر سرية ليست بسبب وجود نص قرآني يقول صراحة: "صلوا الظهر والعصر سرًّا"، وإنما لأن النبي ﷺ بيّن للمسلمين كيفية الصلاة، ومن ذلك بيان مواضع الجهر ومواضع الإسرار.

وهذا يوضح أهمية السنة النبوية في فهم القرآن وتطبيق أحكامه.

رابعًا: هل السرية تعني عدم تحريك اللسان؟

هذه نقطة مهمة.

المقصود بالقراءة السرية ليس أن يقرأ الإنسان القرآن في قلبه فقط دون تحريك لسانه.

فالقراءة في الصلاة تكون باللسان، لكن بصوت منخفض لا يسمعه عادة من حوله.

وقد كان العلماء يفرقون بين القراءة السرية والقراءة الجهرية، فالجهر هو رفع الصوت، والإسرار هو خفضه.

ولهذا ينبغي للمصلي في الظهر والعصر أن يقرأ قراءة صحيحة بصوت يسمعه هو، بحسب ما يتحقق به وصف القراءة، دون أن يرفع صوته كالجهر في الفجر والمغرب والعشاء.

خامسًا: ماذا عن صلاة الفجر؟

صلاة الفجر من الصلوات الجهرية.

فيقرأ الإمام في الركعتين جهرًا، ويسمع المصلون قراءة الإمام.

وهذا من السنة النبوية التي نقلها الصحابة عن رسول الله ﷺ.

وقد جاء في القرآن ذكر قرآن الفجر في قوله تعالى:

﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.

وسميت القراءة في صلاة الفجر بـ"قرآن الفجر"، وقد ثبتت مشروعية الجهر فيها.

سادسًا: ماذا عن المغرب والعشاء؟

صلاة المغرب جهرية في الركعتين الأوليين، أما الركعة الثالثة فيقرأ فيها الإمام سرًّا.

وصلاة العشاء جهرية في الركعتين الأوليين، أما الركعتان الثالثة والرابعة فتكون القراءة فيهما سرية.

أما صلاة الظهر والعصر، فتكون القراءة فيهما سرية في جميع الركعات.

وهذه الطريقة ليست اجتهادًا شخصيًا من المصلين، وإنما هي صفة الصلاة التي ثبتت عن النبي ﷺ.

سابعًا: لماذا جعل الله بعض الصلوات جهرية وبعضها سرية؟

الحكمة التفصيلية من اختلاف الجهر والإسرار في الصلوات لم يرد فيها نص يبين سببًا واحدًا قاطعًا لكل صلاة.

ولهذا ينبغي ألا نجزم بحكمة معينة ونقول إنها السبب المؤكد، ما لم يرد دليل صحيح بذلك.

لكن يمكن للمسلم أن يرى في تنوع العبادة حكمًا عظيمة، منها أن الصلاة لا تكون على نمط واحد دائمًا، بل تتنوع صفاتها، فيتعلم المسلم متابعة النبي ﷺ في كل حال.

تم نسخ الرابط