ما معنى قـول النـبي ﷺ لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ؟

لمحة نيوز

خامسًا: هل الطلاق في حالة المرض النفسي يدخل في الإغلاق؟

هذه المسألة تختلف من حالة إلى أخرى.

فليس كل مرض نفسي يعني أن الإنسان فاقد للإدراك أو غير مسؤول عن كلامه، كما أن وجود اضطراب أو حالة نفسية معينة لا يكفي وحده للحكم على الطلاق.

العبرة بحالة الزوج وقت التلفظ بالطلاق: هل كان واعيًا لما يقول؟ وهل كان يعرف معنى كلامه؟ وهل كان يملك قصده وإرادته؟ أم كان فاقدًا للإدراك أو الاختيار؟

ولهذا فإن الحالات التي تتعلق باضطراب شديد في الوعي أو الإدراك ينبغي عرضها على جهة إفتاء موثوقة، وقد يحتاج الأمر في بعض الحالات إلى رأي طبي متخصص يوضح الحالة التي كان عليها الشخص وقت وقوع الواقعة.

سادسًا: لماذا شدد العلماء في مسألة الطلاق؟

لأن الطلاق ليس كلمة عابرة.

فقد تترتب عليه آثار شرعية وقانونية وأسرية مهمة، ولذلك لا ينبغي للزوج أن يجعل الطلاق وسيلة للتهديد أو الضغط في كل خلاف.

ومن المؤسف أن بعض الأزواج يجعلون كلمة "أنتِ طالق" جزءًا من المشاجرات اليومية، ثم يعودون بعد هدوئهم ليسألوا: هل وقع الطلاق أم لا؟

وهذا أمر خطير، لأن التعامل مع الطلاق بهذه الطريقة قد يؤدي إلى اضطراب الأسرة وضياع الحقوق.

والواجب على الزوج أن يحفظ لسانه، وألا يستعمل الطلاق في لحظات الانفعال إلا بعد تفكير شديد، لأن آثار الكلمة قد تمتد إلى الزوجة والأبناء والأسرة كلها.

سابعًا: هل يجوز للزوج أن يقول "كنت غاضبًا" بعد الطلاق؟

لا يكفي أن يدعي الزوج الغضب دون بيان حالته.

فإذا حدثت واقعة طلاق، فإن المفتي أو القاضي يحتاج إلى معرفة تفاصيلها، مثل:

ما اللفظ الذي قاله الزوج؟

هل كان اللفظ صريحًا أم كناية؟

ما الذي كان يقصده؟

ما درجة غضبه؟

هل كان واعيًا لما يقول؟

هل كان يعرف زوجته والمكان والزمان؟

هل كان يستطيع التحكم في كلامه وتصرفاته؟

هل كان هناك إكراه؟

هل تكرر الطلاق؟

هل سبق أن وقع طلاق قبل ذلك؟

ولهذا لا يجوز أن يُعطى حكم نهائي من جملة واحدة مثل: "كان غاضبًا".

ثامنًا: الفرق بين الغضب وفقدان الوعي

هناك فرق كبير بين أن يكون الإنسان غاضبًا وبين أن يكون فاقدًا للإدراك.

فالشخص الغاضب قد يرفع صوته ويتوتر ويتحدث بعصبية، لكنه يعرف جيدًا ماذا يقول.

أما الشخص الذي فقد إدراكه فقد لا يعرف بعد ذلك ما الذي صدر منه أصلًا.

وهذا الفرق مهم جدًا عند فهم حديث «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق».

فالحديث لا ينبغي استخدامه كذريعة لإلغاء كل طلاق يقع أثناء المشاجرات، وإنما ينظر إلى حالة الإنسان ومدى تحقق القصد والإدراك.

تاسعًا: ماذا تفعل الزوجة إذا وقع الطلاق في حالة غضب شديد؟

إذا حدث طلاق بالفعل، فلا ينبغي للزوجة أو الزوج أن يبنيا قرارات كبيرة على مجرد البحث في الإنترنت أو سؤال أشخاص غير متخصصين.

بل يجب تدوين الواقعة بدقة: ما الكلمات التي قيلت؟ ومتى قيلت؟ وكيف كانت حالة الزوج؟ وهل سبقها طلاق آخر؟

ثم يتم عرض الأمر على دار الإفتاء أو مفتٍ موثوق يستطيع سماع التفاصيل كاملة.

وفي مصر، يمكن الرجوع إلى دار الإفتاء المصرية للحصول على فتوى في الواقعة بعينها.

وهذا أفضل من الاعتماد على إجابة عامة؛ لأن مسائل الطلاق من المسائل التي تختلف باختلاف الألفاظ والنيات والظروف.

عاشرًا: الحكمة من الحديث

من رحمة الشريعة أنها لا تجعل الإنسان مؤاخذًا بكل لفظ يصدر عنه في حالة فقدان حقيقي للإدراك والقصد.

فالإنسان قد يتعرض لحالات من الإكراه أو اختلال الإدراك أو الغضب الذي يغلق عليه قصده، ولذلك جاءت النصوص التي تراعي حال الإنسان وإرادته.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يفهم المسلم هذا على أنه باب مفتوح للتلاعب بالطلاق.

فالإسلام يريد حماية الأسرة، ولذلك أمر الإنسان بالتروي، وجعل للطلاق أحكامًا وضوابط، ولم يجعل إنهاء الزواج أمرًا هينًا يُستخدم عند كل مشكلة.

الخلاصة

قول النبي ﷺ: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق» حديث عظيم يبين أن التصرفات المتعلقة بالطلاق لا تُنظر إليها بمعزل عن حالة الإنسان وإدراكه واختياره.

والإغلاق فسره العلماء بتفسيرات متعددة، ومن أبرزها الإكراه أو الغضب الشديد الذي يغلق على الإنسان قصده وإدراكه.

لكن لا يعني الحديث أن كل طلاق يقع أثناء الغضب يكون باطلًا؛ فالغضب درجات، وقد يكون الإنسان غاضبًا لكنه واعٍ ومدرك لما يقول، وفي هذه الحالة لا يكفي مجرد وصفه بأنه كان غاضبًا لإسقاط أثر الطلاق.

أما إذا بلغ الأمر درجة فقد معها الإنسان إدراكه أو قصده بصورة مؤثرة، فهذه حالة تحتاج إلى النظر في تفاصيلها من أهل العلم المختصين.

ولهذا، إذا وقع الطلاق بالفعل في حالة غضب شديد، فلا ينبغي للزوج أن يكتفي بقوله: "كنت غاضبًا"، ولا ينبغي للزوجة أن تحكم بنفسها بأن الطلاق وقع أو لم يقع. بل يجب عرض الواقعة كاملة على مفتٍ موثوق، مع ذكر اللفظ الذي صدر والحالة التي كان عليها الزوج وقتها.

والأهم من ذلك كله أن يتقي الزوج الله في أسرته، وألا يجعل الطلاق وسيلة للتهديد أو الانتقام أو الضغط أثناء الخلافات، وأن يعلم أن الكلمة قد تترتب عليها آثار عظيمة.

فالطلاق ليس كلمة تُقال في لحظة غضب ثم يُستهان بها، وإنما هو حكم شرعي له ضوابط وآثار، ومن وقع فيه إشكال فعليه أن يسأل أهل الاختصاص عن الواقعة بعينها.

والله تعالى أعلم.

تم نسخ الرابط